..الصنارة المغروسة في رمل الشاطئ تقول بسخرية
_ لم تعد الأسماك تبلع الخواتم ..!
إني لا أريد اصطياد شيء.. كنت أتمنى أن يعلق الخطاف بسدادة البحر لأزيل هذا الماء..
أحياناً أستعين بأعضاء أخرى لأخرج بهكذا أفكار.. من هناك يأتيني اتصال ليخبرني بأن الديار تغتسل تحت كرم السماء.. وما همي أنا إن جاء ربيع آخر لهم ! حتى الأغنام لم تعد تحفل به.. أعلم أن أحد المهمومين سيسأل نفسه قبل أن ينام
_ من سيأكل هذا ؟!
ستأكله الأعين التي لا تبالي بالخضار وستعيده عجلات السيارات ليتخذه الشيطان باروكة يمشطها بحسرة أمام العصاة.. مازال منظر الأسياخ الحديدية يعيدني إلى الواقع.. ماذا لو اصطدت سمكة هائلة الحجم ( أي أضخم من السيد قودزيلا).. سأصبح مشهوراً ولن أفكر بسحب سدادة البحر.. السؤال هل ستكون رائحة السمكة كريهة ؟ حقاً إني أعجب كيف يصح للسمك أن تكتسب هذه الروائح الغير حميدة وهي التي تغتسل في كل لحظة ! الآن سأقف احتراماً للجمل..

فجأة تتساقط العوائل من السماء.. كنت أشاهد عشرات النساء وهن ينزلن ومن ثم يقمن بترتيب مظلات الهبوط بعناية..بعد ثوان تعلن الأعراف والأعين المتحدية أن هذا المكان أصبح منطقة محظورة...تضحكني قدرتي على حمل نفسي لأي مكان.. سأطلب كوب شاي من المقهى.. لا.. كوب قهوة.. :
_ سيكون جميلاً لو أضفت شيئاً من الحليب.. لا تكثر السكر.. ضع أقل من هذا !..ما اسمك..؟.
إنه لا يريد أن يخبرني باسمه.. أقول له بأني حتى أنا لا أريد أن أخبره باسمي.. يضحك ويناولني الكوب :
_ مرة رايق
أقول له بنبرة جافه :
_ رايق ؟! هل تعرفني يا رجل لتقول لي هذا ؟!
يغضب ويهم برمي الكوب.. أبتعد عن الشباك وأنفجر ضاحكاً.. يصمت المسكين فهو مازال حائراً.. أخبره بأني كنت أداعبه.. ومن ثم أدعوه لكوب شاي على حسابي..
_ لا. شكراً لك
_ لا شكر على واجب.. إن لم أدعوك إلى كوب شاي فأي أحمق غيري سيفعل ؟!
الآن فقط أكتشف بأني لا أعني أي كلمة أقولها.. نظرت إليه بجديه غريبة ونصحته بأن يغسل طاقية وانصرفت.. كنت أسمعه يقول بفرحة عظيمة
_ أخيراً..
اليوم استطعت أن أدخل البهجة إلى قلب إنسان.. طبعاً أدخلتها بطريقة غير مباشرة.. فقد أريته الجحيم عندما يبتسم فقط ! مازالت طائرات (الجمس) ترمي بالعوائل المجولقة ! وأنا أنزح شيئاً فشيئاً عنهم.. إن المخلوقات الصغيرة تنتشر كالوباء بسرعة مذهلة.. نعم صدق أخي (نحن لم نكن يوماً أطفالاً.. كنا أقزام فقط !) أتوقف أمام (البوفيه) وأطلب كوب قهوة (آخر).. لا.. أريد شاي..
_ اجعل السكر... هل تعلم ضع ما شئت أريد أن أتفاجئ.. ليتك تفاجئني بأن تجعل السكر قليل..يهز رأسه على ما أظن.. على العموم هم يهزون رؤوسهم للنفي والإيجاب والترحيب والطرب والخوف والترجي..يقول زبون بجانبي وهو يحاول إيجاد محفظته
_ عندك همبرقر..؟
قلت له بعد أن مررت يدي على ذقني
_ آ.. يا أخ.. لا أظن بأن هذا همبرقر .. هذا شيء معذب بالزيت ! أي وربي !
تقزز الزبون بعد أن قصصت له قصة البوفيه الذي كان يطبخ لحم ضفادع.. حتى أني تحمست وصدقت قصتي..لما أراد أن يلغي الطلب , عاتبته وقلت له بأن هذا ليس من شيم الرجال..
_ لقد طلبت وانتهى الأمر !.
أخذت الكوب (الثاني) وسرت في أمان الله والزبون خلفي ينظر إلى همبرقر الضفادع بألم..
أني أتحرك بتفاعل رهيب مع مد العوائل.. وكأني يافطة حدودية ! مازال الأطفال يتقافزون أمام البحر وكأنهم يحاولون أغاضة أرخميدس..

لا أستطيع تبني أي ذاكرة منفية.. لا أقدر.. لم أصل بعد لمرحة الترحم على ما فات.. إني بقعة مستقبلية تتوهج في هذا الحاضر.. بقعة مستقبلية تحتسي الشاي بسعادة.. لن يكون منظري غريباً لو ركبت المراجيح.. لا أحد يبالي.. إن قوانين الفيزياء ستثبت العكس عندما تدلق الشاي على ثوبي.. حسناً لن أركب الفيزياء معي.. سأجعله يمسك بالكوب ريثما أنتهي من اللعب.. أطفال الديجتل لا يحبون التأرجح.. (تأرجح)؟ يا لها من كلمة غبية !.. أخيراً تصل أول سحابة هاربة من الديار وتجفف نفسها فوق الشاطئ.. تتقهقر العوائل وتعود إلى ثكناتها.. كنت أتسأل بحيرة.. ( لمَ كل هذا الرعب.. إنه ماء فقط !).. لم أعرف أن الماء يستطيع أن يحول الأطفال إلى صفارات إنذار..بعض الأطفال يتصرفون وكأنهم جواسيس هاربون من مخابرات العدو..عشرات الجنرالات يركضون بيأس خلف الجواسيس الصغار.. نظرت لأحد الأطفال وقلت له
_ إن أباك مختبئ خلف دورات المياه..
يرمقني أبوه بغضب وهو يعدو خلف ولده..الآن فقط اكتشفت بأن السعادة هي المسافة الكامنة بين الطفل وأبيه.. وهاهي تتقلص بسرعة..

محرك السيارة لا يدور من المرة الأولى.. ولا الثانية.. دائماً تكون المحاولة العاشرة هي الأخيرة.. صوت مزعج اعتدت عليه..وأحببته لأنه بشارة بقرب دوران المحرك.. هذا السيارة لا تعمل على البنزين فقط.. وقودها خليط من دعوات أحد الصالحين وتضحية من أحد الدينصورات..إلى أين الآن..؟

.. حقاً.. إلي أين الآن..؟

لا يهم ..