Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 4 من 9 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 176
  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    درس في الحريّة.. من جلاّدك


    غادرت بيروت إلى فرنسا، ذات سبت في الأول من أيار• وكان آخرُ ما شهدته مساءً، وأنا منهمكة في إعداد حقيبتي، برنامجاً تعثرت يدي بزر فضائيته، فعلقت عن فضول وذهول بين فكيه، مأخوذة بصفة ضيوفه، واختيارهم تلك القناة “الحرة” من دون سواها، لعرض مظالم السجناء العرب في المعتقلات العربية، والتنديد بتاريخ انتهاك حقوق الأسير في أوطان لا تعترف حتى بحقوقه الطبيعية، كما جاء على لسان ذلك الكاتب الصديق، الذي قضى في الماضي 16 سنة من عمره في أحد السجون العربية، بتهمة الشيوعية وما عاد يرى حرجاً اليوم، وقد ولَّى “زمن العنفوان”، أن يجلس في أناقة تليق بمنبر أميريكي، ليفتح قلبه بشكاوى، ما كان يخص بها في الماضي سوى قراء جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، يشفع له وجوده بين ضيفين، يترأس أحدهما جمعية حقوق الإنسان في سجون مصر، ويمثل الثاني جمعية حقوق الإنسان لدى السجناء في لبنان•
    وإذا كان أجمل حبّ هو الذي تعثر عليه أثناء بحثك عن شيء آخر، فإن أطرف برنامج تعثر عليه حتماً، أثناء بعثك عن قناة أُخرى، بعدما تكون قد تهت “فضائياً”، وحطت بك المصادفة عند “قناة الحقيقة”، وهو على ما يبدو الاسم الحركي لقناة “الحرة”، وقبل أن تتردد وتهاجر إلى “جزيرة” أُخرى، يطمئنك شعارها “انتقاء ذكي” إلى ذكائك، ويهنئك بحرارة ويشد على يدك، لأنك لست من الغباء لتعادي “الحرية” ومشتقاتها، وتنحاز كملايين المشاهدين العرب إلى قنوات معسكر الشر• وبدل أن تنضم إلى أنصار صراع الديكة ونتف الريش، في برامج الصياح الإعلامي العربي المتخلف، تجلس كأي أميركي متحضر لتتابع بهدوء ورهبة “جدلاً حرّاً” تقدمه إعلامية لبنانية بكل ما أوتيت من لباقة وأناقة ونوايا إنسانية حسنة•• عن “الرفق بالإنسان” (أي والله) وهو عنوان الحلقة المخصصة لمظالمك كإنسان عربي، وفيه إشارة واضحة تطمئنك إلى أن حقوقك لن تُهدَر بعد اليوم، لأن أميركا رفعتك أخيراً إلى مقام حيواناتها وقرّرت أن ترفق بك•
    ولا تدري، أيجب أن تحزن أم تفرح، لأن “ماما أميركا” قد تدللك بعد الآن، كما تدلل قططها وكلابها، وتغدق عليك بقدر ما تغدق عليها• وقد تذهب حدّ إنشاء نوادٍ خاصة تهتم برشاقتك وإذابة شحومك العربية، واصطحابك إلى مطاعم لا ترتادها غير الكلاب المدللة للاحتفال بأعياد ميلادها، وستطعمك في مواسم الحرِّ “آيس كريم” صُنع خصيصاً لإعادة البهجة لكلاب، لفرط تخمتها ما عاد يسيل لعابها، وإن متّ لا قدَّر الله بعد عمر طويل، لن تنتهي جثتك في كيس من البلاستيك، بل سترتاح في مقبرة جميلة، تذهب إليها مكرّماً، في تابوت من الخشب الثمين المغلّف من الداخل بالساتان•
    وهكذا، سافرت إلى فرنسا مطمئنة إلى مصير العراقيين الذين وجدوا أنفسهم مدعوين إلى وليمة الديمقراطية ومباهج الحرية، من دون أن يستشيرهم أحد في ذلك•
    كنتَ تريد أن تعاملك أميركا كما تعامل كلابها ليس أكثر• فلماذا تحتج وأنت ترى جندية تسحب عراقياً عارياً بمقوده، كما لو كانت تجر كلباً؟
    ولماذا تبكي، وتلك الرجولة العربية معروضة للفرجة، عارية إلاّ من ذعرها، مكبّلة اليدين والكبرياء، ترتعد تحت ترويع كلاب مدرّبة على كره رائحة العربيّ؟
    تلك الرجولة المهانة،الذليلة، المستجدية الرحمة، وقليلاً من الكرامة الإنسانية ممن جاءوا بذريعة إحلال حقوق الإنسان، بأيِّ حق وبأيِّ شريعة، وباسم مَنْ، ولماذا، وحتى متى، سيستهان بحقها في الحياة في وطنها بكرامة، والعيش من ثروات هي ثروات أرضها؟
    كانت نكتة غير موفقة في توقيتها، أن تخصص قناة “الحرّة” حلقة لعرض انتهاكات حقوق الإنسان في السجون العربية قبل يومين من انفجار فضيحة تكنولوجيا التعذيب النفسي والجسدي، الذي يقوم به جيش بوش لاختبار تقنياته تباعاً علينا، كي يجعل منا تلاميذ نجباء في مدرسة “العالم الحرّ”•
    عندما تكون الديمقراطية هبة الاحتلال•• كيف لك أن تتعلم الحرية من جلاّدك؟
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    دلُّوني على أحدهم


    هاتفتني العزيزة لطيفة، بعد قراءتها مقالي عن عطاف شاهين، ابنة القـــدس، التي بَـــدَلَ انخراطها في "كتائب الأقصى"، انخرطت في "كتائب العشَّاق"، واختارت أكثر العمليات الفدائية صعوبة، بعد أن عاهدت خطيبها محمود الصفدي، الأسير في سجن عسقلان، على انتظاره حتى آخر يوم من الأعوام السبعة والعشرين، المحكوم عليه بقضائها في الأَسر، التي انقضى منها حتى الآن، خمس عشرة سنة كاملة، بأشهرها وأسابيعها وأيامها ولياليها•
    وقالت لطيفة، وكأنها ليست مَن غنَّى "يا حبيبي ما ترحش بعيد": "معك حــق•• إنْ كان الوفاء يحتاج إلى مسافة، وإلى سجن وسجَّان، ليأخذوا بُؤسنا العاطفيّ ويسوقُونا إلى سجن عسقلان•• عسانا في الأَسر نعثر على الحــبّ الكبيــــر!"•
    مَن منّا لم يحسد عطاف على بطولة عاطفيّة كهذه، في زمن لا ينقصه الأبطال ولا "السوبر ستار"، وإنها فقط "قضيّة عشقيّة" تمنحنا فرصة النضال من أجلها، وإثبات أننا جميعنا نتفوّق في دور البطولة، عندما يختبرنا الحبُّ بقصصه المبهرة العظيمة، التي ليست دوماً من صُنع المشاهير والعظماء؟
    فالحبُّ لا يكبر بألقاب عشّاقه، وإنما بفجائعهــم ومآســيهم، حتى لكأنه لا يتغذّى إلاَّ بها، ولا يدين بوجوده لسواها•
    ألــم يُجــب نابليون بونابارت مَن سأله: "ما الذي يقتل الحب؟" قائلاً: "النهاية السعيدة!"؟ لــــذا، عندما يغدر الموت بأحد العاشقين، ويسرقه من الثاني، تصبح فاجعة الفقدان الأبديّ "فرصة ذهبيّة" للعاشق الذي بقي على قيد الحياة، كي يُنازل الموت عشقاً، ذاهباً معه في تحدٍّ يتجاوز أحياناً المنطق، مُستنداً إلى منطق الحبّ لا غير•
    وهكذا، في نيس، في جنوب فرنسا، احتفلت مؤخراً عاشقة في الخامسة والثلاثين من عمرها، بزواجها بحبيبها المتوفَّى منذ سنتين• ولم يكن من السهل تحقيق مطلبها الغريب• فلقد اضطُرّت قبل ذلك إلى تكليف مُحام للدفاع عن أُمنيتها، والكتابة إلى الرئيس جاك شيراك، لإصدار قرار رئاسيّ يسمح لها بإقامة مراسم الزواج في البلديّة، وإجراء جميع المعاملات القانونية، التي كانت قد شرعت في التحضير لها، قبل أن يقتل أحد اللصوص حبيبها الشرطيّ، قبل أشهر من عقد الزواج•
    وإن كانت "العروس الأرملة" قد أعلنت سعادتها بوفائها بالعهد، الذي قطعته لحبيبها، وافتخارها بأنها صارت تحمل اسم حبيبها، فثمَّة امرأة أُخرى جاءت قبلها بأربعة قرون، وجدت أنّ الوفاء لا يقتضي أن تكتفي الزوجة بحمل اسم زوجها الفقيد•• بل بحمل رأسه أيضاً•
    ويروي التاريخ قصّة "الليدي رالي"، التي طلبت أن تُعطــى رأس زوجها بعد أن أمر الملك جيمس الأوّل بقطعه، بتهمة مُوالاته لملك إسبانيا، فكانت تحمله مُحنّطاً حيث ذهبت، ودام ذلك 29 سنة• وقد سار ابنها على نهجها، وظلّ هو أيضاً محتفظاً برأس والده، حتى وافته المنيّة فدُفن معه•
    لكن الوفاء لا يحتاج إلى حملنا، حيثما ذهبنا، جثمان مَن فقدناهم• يكفي أن نواصل الحياة وكأنهم مازالوا موجودين فيها، محافظين على عاداتنا الصغيرة معهم• ولقد صدر مؤخراً في فرنسا كتاب بعنوان "أُغنية حــبّ"، ضمَّ أجمل ما كتبته زوجة لزوجها يومياً، على مدى سنوات بعد موته• وما الزوج سوى أنطوان دي سانت اكزوبيري، أحد أشهر الكتّاب الفرنسيين في الأربعينات، الذي بحُكم عمله، كطيار تجاري وواحد من أوائل مَن عبروا المحيطات بأكياس البريد ليصلوا القارات ببعضها، كان يتوقّع الموت في أيّة رحلة، وهو يقود طائرته البدائية تلك• لـــذا طلب من زوجته أن تكتب له كلّ يوم رسالة قصيرة، وتحتفظ بها إلى حين عودته، وهذا ما ظلَّت تفعله الزوجة العاشقة إلى ما بعد موته بسنوات، حتى ذلك اليوم الذي توقَّـف القلم بين أناملها•• وماتت الكلمات•
    لا أظنكــــم ستختلفون معي في الرأي إنْ قلت: "لا شيء على الإطلاق أجمل من الوفــــاء بعهد عشقيٍّ قطعناه"• ولا أظنني سأبـــوح بغير حسرتكن إنْ قلت: "أيـــن هُــم الرجــال الذيــن يستحقــون منّا بطـــولات الوفـــاء؟"•
    دلُّــونــــي علــى أحــدهــــم•• أيـتُّـهــــا النساء!
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    دموع لطيفة


    لا شيء كان يشي بالحزن، في ذلك اليوم الذي بدأ جميلاً، وأنا ألتقي المطربة لطيفة، لأوّل مرّة، في فندق فخم في بيروت، بعد أن نجحت في إلقاء القبض عليَّ، إثر مُطاردة هاتفيّة وعاطفيّة، جنّدت لها لطيفة لعدَّة أشهر، أصدقاء مشتركين لنا، بعد أن أصرّت على أن تكون أوَّل مَن يقرأ روايتي “عابر سرير”.

    لطيفــة، ما كانت تشبه تلك “النجمة” التي اعتادت أن تعبُر شاشتي في مقابلة، أو في كليب. اكتشفتها. إنسانة تلقائية عُروبيّة، متواضعة، لم تغيّرها الشهرة ولا الأضواء، تُفاخــر بالمشي في أكبر الفنادق بجوار والدتها، السيّدة الطيِّبة الأُميَّة، ذات المظهر البسيط، لا تتوقف عن احتضانها وتقبيلها مراراً أمام النظرات الفضوليّة، مُردِّدة أنها تفاخر بهذه الأُم، التي أنجبت وربّت ثمانية أولاد. وكانت لطيفة تركض بين “البوفيه” وطاولة السفرة، لإغرائها بتناول شيء من الأكل، أو من الحلويات، تساعدها على الوقوف، ترافقها إلى الباب، ترتّب الشال على شعرها. تصرُّفٌ ترك في قلبي أجمل الأثر، لأنه لا يُشبه ما أراه في بيروت، من فتيات شهيرات (أو نكرات) أودى بإنسانيتهن فيروس التشاوف، المتفشّي هذه الأيام.
    وكنتُ قد هاتفتها قبل ذلك مساءً، لنحدّد موعد لقائنا، غير أنها تركتني مذهولة، وهي تقول إنها ستُهاتفني حال انتهائها من أداء صلاة العشاء.

    حين طلبتني بعد ذلك مطوّلاً، ووجدتْ خطّي مشغولاً، صاحت وأنا أُخبرها، أنني كنت أُحدّث الغالية جميلة بوحيرد، لأُعايدها: “أرجــوك يا أحــلام، أُريـد أن أراها.. أنا جاهزة لأذهب إلى الجزائر، فقط لأُقبّلها.. عِديني أن تصطحبيني معكِ، حين تسافرين إلى الجزائر”. قلت وأنا أستبعد المشروع: “إنّ الأوضاع الجزائرية حالياً تعبانة، والناس بين منكوبي زلزال أو فيضان، أو ضحايا فقر أو إرهاب”. ردَّت وقد عثرت على قضيّة جديدة: “في إمكاني تقديم حفل كبير لمصلحة أي مشروع خيري تنصحينني به”. أجبتها “أيتها المجنونة، لقد صنع كثير من المطربين والمطربات ثرواتهم، بإقامة الحفلات في الجزائر، في صفقات “البزنس النضالي”، وأنتِ تُريدين الغناء مجاناً لدولة أثرى منكِ؟ نحن لسنا فقراء، نحن شعبٌ مُفقَّر”.

    وهكذا انقلب مسار حديثنا من اعترفات نسائية، كنا نتبادلها ضاحكتين، إلى الحديث عن مشروعات خيريّة، تتكفّل بها لطيفة في أوساط المغتربين في فرنسا، عارضة عليّ أن أُسهم فيها إن استطعت ذلك.

    كنت بدأت أعتقد أنني أعرف عن لطيفة ما يكفي، لأُكوِّن فكرة عن اهتماماتها، وطيبتها، بعد أن أخبرتني بأنها تُقاوم الأرق بمطالعة “وجهة نظر”، وبعض الكتب السياسيّة، وعرضت عليّ الاستفادة من صور ستأخذها، عند أحد كبار المصوِّرين، لآخذ صورتين أو ثلاثاً، ضمن جلسة تصويرها، حتى أُغيِّر صورتي في زهرة الخليج، “لأنها لا تُنصفني”. غير أنّ هاتفاً تلقّته لطيفة يوم لقائنا، يخبرها بموت صديقتها، المطربة ذكـــرى، مقتولة على يــد زوجها، كشف لي جانباً آخــر فيها. فقد بــدت فتاة شعبيّة، قد تنتمي إلى أي بلد عربي كان، أُنثى باكيــة لا تتوقف عن النحيــب والدُّعــاء، متوسلة إلى اللّه أن يكون الخبر غير صحيح. لكن عشرات المكالمات، التي انهالت عليها، تؤكد صحّـة الخبر، وتمدُّها بالتفاصيل العنيفــــة للمـــوت، فأسمعها تنتحـب بلهجتها التونسية: “يا ربّـي، ذاك الجَمَال ينتهي في مشرحة، ذاك الصوت، ذاك الشباب، يا نـــــاري عليكِ يا مسكينة يا ذكــرى”.

    ثمّ تعود لتسألني مذعـــورة: “آش نعمل؟ قولي لي.. عندي غـدوة احتفال لتسلُّم أوسكار أحسن مغنية لهذا العام، وعندي الاثنين حفل في أبوظبي، بمناسبة عيد الإمارات، كيفاش نغني؟ أنا لازم نمشي غدوة لمصر نهزّ هاذ المغبونة، نروح ندفنها في تونس، يتيمة ذكرى ما عندها حتى حدّ إلاّ أنا”.

    لم أستطع تقديم أيّـة نصيحة إلى لطيفة. تركتها وأنا أُفكّـر في أنّ “لكل امرئ من اسمه نصيب”. فهل كان أهل ذكــــرى، يختارون قدرها، وهم يختارون لها اسماً؟
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    رالي الجنون العربي


    مــرَّ عيد ميلاد نــزار قبّاني منذ أيام، وما كنت لأتنبَّه له. فما كان هناك وقت لمثل هذه الذكرى، لولا أن القنوات التلفزيونية، التي كنت أُتابعها من باريس، كانت منذ بدء القصف الأميركي على العراق، تعرض على شاشاتها صــور الحرب، مُرفقةً بتاريخ اليوم.

    كنا ذات 21 آذار، اليوم الثاني في حرب أفقدتنا بوصلة الزمن، حتى إن أولادي، الذين أُهاتفهم يومياً، نسوا أن يُعايدوني بمناسبة عيد الأُم. وأنا نفسي نسيت أنني لسنوات، كنت أطلب نزار قبّاني في مثل هذا اليوم، بمناسبة عيد ميلاده، فيردُّ، رحمه اللّه، مازحاً كعادته "كان عليَّ مهاتفتك.. إنه عيد الأُمهات، وأنتِ أُمّي".

    يحضرني اليوم نـزار قباني، وأنا أبحث عن شيء أكتبه لكم، فلا تسعفني الكلمات، لا لقلَّة الأفكار، ولا لشُحِّ الغضب، ففائض المرارة العربية مازال قادراً على تزويدي بها، يملأ هذه الصفحة بضع سنوات مقبلة. لكن، أكاد لا أجد جدوى من الكتابة، وأنا أتذكَّر أنّ نزار، ما ترك لنا كلاماً يعلو على صهيل أحزانه، حتى بعد مرور سنواتٍ على رحيله، ولا أظن ما سأكتبه أنا، أو غيري هذه الأيام، في إمكانه أن يطال قلم نــزار قباني فصاحة، ولا قدرة على وصف الفاجعة الأزليَّة للعروبــــــة.. حتى إن نصوصـه التي كتبها منذ ثلاثين سنة.. تبدو وكأنه بعــث بها البارحة، إلى الصحف.. تعليقاً على النشرات الإخبارية العربية الأخيــرة.

    وبرغم ذلك، ما استطاعت تلك الحُمم، المتدفقة علينا من قلمه، أن تُحرِّضنا على العصيان، ولا أن تُغيِّـر شيئاً من قدرٍ مازلنا نُساق إليه كالنِّعاج إلى المسلــخ.

    وأنــــا أبحـث عن شيء أكتبه لكم، وجدتني أحسده، ما عاد مطالباً بأن يقول شيئاً، ولا بأن يدلي بتصريح شعريٍّ أمام كلِّ فاجعة، وقد كان إن هجانا خوَّنــــاه، وإن صمت شكَّكنا في وطنيته وحاسبناه.

    "هــو شاعـر. لــذا يطلبون منه أن يُقدِّم تقريراً عن عدد أصابعه كل يوم. هو شاعر، كلّما ظهر في أُمسية شعرية أطلقوا عليه القنابل المسيلة للدمـــوع".
    ذلك أن باقـات الورد أيضاً، قد تبكي الشعراء، ففي حبّنا المفرط لهم اعتداء على حقِّهم في الخطأ، وحقِّهم في الصمت، إجـلالاً للفاجعة. ولـــذا صــاح محمــود درويش "ورد أقلّ أحبتي.. ورد أقلّ"، ولم يجد فيكتور هوغــو، أمير الشعر الفرنسي، عيبــاً في أن يقول "للمصائب جلالة أجثو أمامها".
    كــم أتمنى هذه الأيام لــو أصمُــت.. أن يكون لــي حــقُّ التغيُّب أحيانــاً عن هذه الصفحة، لأكتفي مثلكم بالذهـــول والصراخ في الشوارع، عندما يؤذَن لي بذلك، والعودة مساءً، إن عدت سالمة، لأجلس أمام التلفزيون كي أُتابع برامج التسلية العربية، التي أصبحت حكــراً على نشرات الأخبار، ومحاضر جلسات القمم العربية.
    ذلك أننا "حلمنا بالوحدة العربية الكبرى، فلمّا وصلنا إلى النخلة اختلفنا على البلح". يقول نــزار قبّاني في أحد نصوصه. قبل أن يواصل:
    "هل تريدون أن تتسلُّوا..
    إذن تعالــوا نتفـرَّج معــاً على خريطة الوطـن العربي. المدن العربية مجموعة من سيّارات السباق، تنطلق كلُّها عكس السير، وتُهشّم بعضها بعضاً بساديَّــة لا نظير لها. ومادام "البنزين" متوافراً، والعجلات متوافرة، والمجانين كثيرين، فإنَّ سباق الموت العربي مستمر، ولن يربح في النهاية إلاَّ الشيطان..
    كــلُّ المدن العربية تشترك في هذا السباق الدموي.. وآخــر سيارة انقلبت بركَّابها واشتعلت فيها النار، هي بيـــروت..".
    هــذا ماكتبه نــزار سنة 1978م، في ديوانــه "إلى بيــروت الأُنثـى مـع حُـبِّـي".
    سعيد نــزار حيث هــو، لا يدري أنَّ السباق الانتحاري المجنون، للذين يقودون سيارات أوطاننا، مازال مستمراً، وأنَّ ثـمَّـة مَـنْ مِـنْ أجــل هوايــة القيـادة، وبقائــه مشدوداً لمقــود ثلاثين سنة، مازال مستعداً لأن يبعث بنا جميعاً إلى الجحيم، ويُدحرج أقدارنـــا إلى الهاوية..
    إنـه "رالــي" الجنـون العربـي.. ولا جدوى مـن ربـط أحزمة الأمان، عندما يكون الجنـــون خلـف المقـــود
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    رسالة إلى فلورانس: الرهينة لدى بلد رهين


    يحدثُ أن أذكركِ، على الرغم من أني هنا لا أرى صورتكِ تلك يومياً على شاشة تلفازِ أو صحيفة. ولا أُتابع عدَّادَ غيابكِ.
    أُقيم في بيــــروت، وأنــتِ في بغـــداد، مُدناً نسكنها وأُخرى تسكننا، نحنُ القادِمَتَان، إحدانا من الجزائر وأُخرى من باريس، بيننا “مُدن الباء”، بكلّ ما كان لها من بهاء، بكلّ ما غدا فيها من بـــلاء.
    بيننا تواطؤ الأبجدية الفرنسية، جسور تاريخية، وهموم صغيرة نسائية، كان يمكن أن نتقاسم بَوْحها لو أننا التقينا كامرأتين خارج زمن الموت العَبَثيّ، والأقدار الْمُفجعَة.
    فلورانس.. إنّــه الصيــف.
    تشتاقُـكِ الثياب الخفيفةُ الصيفيّة، أحذيتُكِ المفتوحة الفارغة من خطاكِ.. تشتاقك الأرصفةُ والْمَقَاهي الباريسية، وزحمة الميترو.. وتلك المحال التي أظنّك كنتِ ترتادينها كما كنتُ أرتادُها لسنوات في مواسم “التنزيلات”.
    هل تغيَّـرَ مَقَاسُـكِ.. مُــذ أصبحتِ تقيسين وزنكِ بحميّة الوحشة.. وعدَّاد الغياب؟ وهل أنقذتِ ابتسامتكِ تلك من عدوى الكراهية، ومازلتِ ترتدينها ثوبــاً يليق بكلِّ المناسبات؟ أيتُّها الغريبة التي رفعها الخاطفون إلى مرتبة صديقة، كبُر نادي الأصدقاء. لنا صديقةٌ جديدة لم تسمعي من قبلُ بها: كليمنتينا كانتوني. اسم كأُغنيّة إيطالية تُشَمُّ منه رائحةُ زهر البرتقال. كليمنتينا رهينة في أفغانستان. تصوّري، ثمّة مَن يُلقي القبض على شجرة برتقال بتهمة العطاء، ومَن يُهدِّد بإعدام معزوفة لـ”فيفالدي”، إنْ هم لم يمنعوا بث برنامج موسيقي يُعرَضُ أُسبوعياً في التلفزيون الأفغاني.
    النساءُ الأفغانيات اللائي كانت كليمنتينا تساعدهنّ ضمن منظمة إنسانية للإغاثة، مُعتصمات في انتظار إطلاق سراح ابتسامتها. ففي ديننا، الابتسامة أيضاً صَدَقَة يُجازي اللَّه خيراً صاحبها.. ديننا الذي لا يَدين به رجال الكهوف وقطّاع طُرق الأديان.
    اعذُريني فلورانس إنْ نسيتكِ أحياناً. أُشاهد فضائيات عربيّة، لا وقت لها حتى لتعداد موتانا. لماذا جئتنا في زمن التصفيات والتنزيلات البشرية والموت على قارعة الديمقراطية؟ نحــنُ نُعاني فائض الموت العربيّ. لا رقم لموتانا، ولا نملكُ تقويماً زمنياً لا ينتظرنا في أجندة مولانا “كاوبوي” العالم.
    نكاد نحسدكِ على دقّة مفكّرة مُحبِّيكِ في عدِّ أيام اختطافك. نحسدكِ على صورتكِ التي تغطِّي المباني والساحات والجرائد والشاشات، مُطالِبة بإطلاق سراحكِ. الذي يختطف شخصاً يُسمَّى إرهابياً، والذي يختطف شعباً يُسمَّى قائداً أو “مُصلحاً كونياً”. نحنُ شعوب بأكملها مخطوفة لتاريخ غير مُسمَّى. بـــاع الطُّغـاة أقدارنَا للغزاة، فلماذا أيتها المرأة التي نصف اسمها وردة.. ونصفه الآخر فرنسا، جئت تتفتّحين هنا كـ”وردة مائية في بركة دمنا”؟
    يا امرأة الغياب.. انقضى زمن “ألف ليلة وليلة”، ما عادت بغداد توافق وهَمَكِ بها. ماذا في إمكان “شهرزاد” أن تقول لإنقاذ شرف الحقيقة الْمَهدُور حبرها في سرير القَتَلَة؟
    أضمّك.. سامحينا فلورانس

    * أُذيعت هذه الرسالة الصوتية في إذاعة “مونتي كارلو” التي دَرَجَت يومياً قبل نشرات الأخبار، على بَــث رسالة من أحد المثقفين، تضامناً مع الصحافية الفرنسية فلورانس أوبينا، المخطوفة سابقاً في بغداد.
    وَصَــادَفَ أنْ كانت هذه آخر رسالة موجّهة إلى فلورانس في اليوم المئة والسابع والخمسين من احتجازها، قبل إطلاق سراحها بيوم، ويوم إطلاق سراح الرهينة الإيطالية كليمنتينا كانتوني.
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    زيدوني حقدا ...... زيدوني

    أما وقد عايدت أحبّتي وأصدقائي، فاسمحوا لي بأن أكون مُنصفة وأُعايد هذه المرَّة أعدائي. فللأمانة، أنا مدينة لهم بكثير من نجاحاتي وانتشاري. ولا يفوتني في بداية هذا العام، أن أتوجه بالدعاء إلى اللّه، كي يحفظهم ويُبقيهم ذخراً لي، للأعوام المقبلة. فالأديب الذي لا أعداء له، هو أديب سيئ الحظ. إنه كاتبٌ غير مضمون المستقبل، لأنه فاقد وقود التحدِّي. وأنا المرأة الكسول بطبعي، التي تُصدر كلّ أربع سنوات كتاباً، أحتاج إلى أعدائي كي يتسنَّى لي الردُّ عليهم بمزيد من الكتابة. فالكاتب، كما تقول غادة السمّان، يزداد ازدهاراً عندما يُهاجَم. لــذا تَعتبر غادة استمراريتها انتقاماً من محترفي إيذائها. فبفضل أحقادهم، اضطرت إلى إثبات حضورها أربعين مرّة، بعدد كتبها. ذلك أنّ الكاتب لا يردُّ على الشتائم بمثلها، ولا على الأحقاد، بما يُماثلها من ضغائن ومكائد. فليس من عادة الكبار أن يهاجِموا، وإن هُوجموا لا يردُّون. وهذا حتى عند الحيوانات، حيث يهجم الكلب الصغير دوماً، على كلبٍ ضخم يُصادفه، ويظلّ يحوم حوله قافزاً متحديّاً إيّاه بالنباح، درءاً لبطشه وخوفاً من ضخامته.
    لكنني، خلال سبع عشرة سنة، قضيتها في باريس، أتقاسم الشوارع مع الكلاب الباريسية، لم أشهد مرة كلباً من سلالة “بول دوغ” يردُّ على “كانيش” صغير، يترك سيدته ويركض نحوه لمنازلته.
    صحيح أنني تمنيت لو كان لي أعداء شرفاء أكبَرُ بهم، بقدر ما يكبرون بي. فالعدو الكبير، حسب أدونيس، هو أيضاً صديقٌ. ولكن ليس هذا زمن الكبار على ما يبدو، ولا زمن المعارك النبيلة. ولستَ أنتَ مَن تختار أعداءك، بل هم من يختارونك، حسب أهمِّيتك ووصوليّتهم. فأسهل من إنفاق أعوام في كتابة عمل كبير، تفرُّغك لشتم كاتب كبير، تتقاسم فوراً جهده إعلامياً. فبالتشهير به تصنع شهرتك، وعلى منصّة اسمه تتسلّق أغلفة الكتب والمجلات، لتسوّق اسمك.
    وبتلويث قلمه تُلمّع قلمك، عساه ذات يومٍ يفقد صوابه، فينزل إلى مستنقعٍ لمنازلتك. وعندها، حتى وإن انتصر عليك، سيخرج ملوَّثاً بالوحل. ومن هنا جاء قول أحد الحكماء: “لا تُجادل أحمق أو جاهلاً، فلا يعرف الناس الفرق بينكماء”، (وفي إمكاننا تغيير الصفتين السابقتين، بما يُناسب من صفات). أمّا المتنبي العظيم، الذي أدرك قبلنا، أنّ النجاح فعلٌ عدائي، وخَبِر من خصومه كلّ أنواع الدسائس، عبثاً استدرجه شعراء عصره، للردّ عليهم، طمعاً في اقتسام جاهه، فقد ترك لنا في قوله:

    “وأتعبُ من ناداكَ مَن لا تجيبُه
    وأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل”

    إحدى حكمه الجميلة، في إغاظة الأعداء بتجاهلهم. وهي نصيحة نجدها في قول ابن المعتز:

    “اصبر على كيد الحسود
    فإن صبرك قاتله”


    ذلك أنّ “الحسد داءٌ منصفٌ، يفعل في الحاسد أكثر مِن فِعله في المحسود”.
    كلامٌ يؤكده الطب، حيث أثبتت الأبحاث، أنّ المشاعر السلبيّة، كالعدائيّة، والضغينة والكيد، يمكن أن يكون لها تأثيرٌ تراكمي في الجسم، بمرور الوقت، قد يوصل البعض إلى ارتياد العيادات النفسيّة. فهي توذي أصحابها ويصبحون عُرضة للوقوع ضحايا لأمراض القلب والسكتات الدماغية. والذين لديهم شخصيات حاقدة وشرِّيرة، لا يُعمِّرون طويلاً، فوحدها الأحاسيس الجميلة، والنوايا الحسنة، تطيل الحياة.
    ذلك أنّ الحاقد، وهو يستشيط كيداً، ينسى أن يتمنى الخير لنفسه، لفرط انشغاله بتمني الشر لعدوه، لكونه، حسب الإمام على (كرّم اللّه وجهه): “يرى زوال نعمتك نعمة عليه”، غير منتبهٍ لِمَا يلحقه بنفسه من ضررٍ. وهو ما ينطبق على تلك النكتة، التي تُروى عن جزائرييْن اثنين، محكوم عليهما بالإعدام، سُئلا، حسب العادة، عن أُمنيتيهما الأخيرتين، قبل إعدامهما. فأجاب الأول “أُريد رؤية أُمي”، وردَّ الثاني “أُريد أن لا يرى أُمه”.
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    ساعات.. ساعات".. يحلوّ الزواج


    كنا قد زهدنا في التلفزيون، هرباً من طبول حرب تتربّص بإخواننا، ومشاهد كوارث تحيط بنا، وبرامج ترفيهيّة تبيعنا مع كلّ مسابقة إفلاسنا الهاتفي.
    بعضنا، لإحباطه، خَالَ نفسه قد بلغ سن الفاجعة، وهو يرى أُمّــة بأكملها تدخل سن اليأس، وراح يتأكّد أمام المرآة، من أنّ الشيب لم يتسلّل إلى شعره بعد، بقدر ما تسرّب همُّ وغمُّ العُروبــــــة إلى قلبه، مُدقّقاً بين الحين والآخر، في كونه مازال في كلّ قواه العقليّة في عالم فقد اتِّزانه وتوازنه.
    وما كنا لنصدّق أنّ الدنيا مازالت بخير، وأنّ ثـمَّـة أُناســـاً أسويــــاء في هذا الزمن المجنون، قبل أن تتسابق الفضائيات إلى إهدائنا سهرات رمضان، واحتفاءً بالأعياد، لقاءات مع الصبُّـوحــة وخطيبها عـمــر محيـو، ملك جمال لبنان.
    ولكوننا أُمّــة تنتظر منذ نصف قرن معجزة تنقذها ممّا هي فيه من مُصاب، دبَّ فينا الأمل ونحنُ نقرأ على غــــلاف إحدى المجلاَّت "هي نجمة منذ 60 سنة، وهو يبلغ من العمر 23 سنة.. لكن الحبّ يصنع المعجزات".
    ولأن 60 سنة هو "العمر الفني"، وليس العمر الكامل للصبُّـوحـة، فقد بهرتنا المعجزة، وشخصيّاً، حسب أُغنية نــور دكّاش "آمنـت باللَّـه"، وأنا أرى الحُبّ يجمع بين قلبي امرأة وشاب، في عمر حفيدها.
    "معجزات الحبّ"، خُرافــة يومية تُردِّد قصصها على مسامعنا مريـم نــور، وهي مُتربعة أرضاً وسط الشموع والبخور، تُذكّرنا بين وصفتين بمزايا الحبّ.. وحالاته الخارقــة, لكن شَعرها الرمادي، ونظّارتها الطبيّة، ما كانا ليُقنعانا كان يلزمنا في زمــن الفضائيات، والـ"مَن أنـا" القاطع للشكّ، معجزة عشقية نراها بأُمّ أعيننا، نهاتف بعضنا بعضاً، حتى لا نفوّت لحظة ظهورها.. معجزة ملموسة، مرئيّة، صارخة في إعجازها الأُسطوريّ، بين امرأة سبعينيّة شقراء، بمقاييس جمال دمية "باربـي"، وأزيــاء شـــاون ستـون، وغنــج مارليـن مونــرو، يوم غنت لعيد ميلاد حبيبها، الرئيس جــون كيندي، تغني بصوت متقطّع الأنفاس، نشرت على حباله غسيل عمر، من الآهات والحسرات: "ساعات.. ساعات.. بحبّ عمري وأعشق الحياة"، لشاب عشريني يتربّع على عرش الجمال "الطمــوح"، يُبادلها النظرات اللَّهفى العابرة للكاميرات، شاهراً خاتـم خطبته امرأة "أُسطــورة"، حفلت حياتها بما لا يُحصى من الأفلام والأغاني والزيجات آخـــر أزواجها الذين يزدادون صغراً، كلّما تقدّم بها العمر، كان "فدائي لبنان".. أقصد "فادي لبنان"، الذي أبلى بلاءً حسناً في معركة، حافظ فيها ما استطاع على مــاء وجه الحبّ وعلى خبز وملح عِشرة دامـت سنوات، وحافظ فيها على أُصول الفروسيّة، ولن ندري أخسِرها، لأنه كان "فارساً بلا جواد"، أم.. جواداً بلا فارس.
    كيف كان له أن يكسب معركة ضد امرأة، ما استطاع الزمان نفسه أن ينال منها؟ حتى إنّ قول لورانس سترين، يكاد لا ينطبق سوى على مخلوقات عداهــا: "الوقت يذوي بسرعة، الوقت يهرب منا، الوقت لا يعفي أحداً، ولا يصفح عن شيء بينما تُسرِّحين شعرك الأشقر المتموّج.. انتبهي جيداً، فربما يصبح رمادياً بين أصابعك".
    ذلك أن الصبُّـوحـة ليست مريـم نــور، وشعرها يزداد شقاراً بقدر ازديادها مع العمر رشاقة ونُحــــولاً، حتى إنه في إمكانها انتعال "بوتين" مشدود بخيوط كثيرة، يصل إلى نصف فخذيها، قد يأخذ ربط خيوطه وفكّها ساعة من وقتها لكن لا يهمّ، فالعمر أمامها.. وعُـمَـر بجوارها، ونحـنُ الأغبيــــاء الذين لا نجـرؤ على التخطيط لأبعــد من يومنــا، تحسباً للآخـــرة، نستمع لها تتحدّث عن خطبتها لـ"عُـمَـرْ" متمنية أن تطـــول، "لأنو ما في أحلى من الرجال قبل الجواز", وإذا قالـت حذامِ فصدّقوها، فثماني زيجات تؤهلها لتكون أدرى بشعاب الزواج منا، خاصة أنها في زمــن الانهيارات القيميّة، تستميت في الدفاع عن الأُصول والتقاليد، بإعلانها أنها فقط "مخطوبة".
    ثــمّ إنّ للخِطبة فوائــد في هذا العمـر، إحداها كشف أكاذيب الرجـال فلقد اكتشفت مثلاً الممثلة جــوان كولينــز (64 سنة)، أثناء خطبتها مؤخراً لشاب، أنه كذب عليها، وأنّ عمره ما كان (33 سنة)، بل (35 سنة)، وقد أعلنت تخلِّيها عنه لأنها لا تغفر كذبة كهذه! ولا أظــنّ أنّ عُـمَـر الذي يستعدّ لأداء مناسك العمرة، تحسباً لاختبارات "الخطبة"، يتجرّأ على إخفاء عام أو عامين على صباح.. فيُجازف بمجده متشاطراً عليها.
    صدق بــو مارشيه إذ قال: "من بين كلّ الأُمور الجدِّية، يبقى الزواج أكثرها دعابة!".
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    سياحة ثورية


    يُولــدُ المــرء مرتين•• الثانية يوم يقع في الحـبّ•
    ويُولدُ الأســير المحــرَّر كل يوم، لأنه كــلَّ صبــاح يقع في حـــبّ الحيـــاة•
    في ذلك الصباح الجميل مرتين، إحداهما لأنه عيــد تحريــر الجنــوب، كان البعض قد أضاف ذلك اليوم إلى قائمة عطله الرسمية من دون كثير من التفكير، والبعض الآخر لايزال يعيش المناسبة بمشاعر لحظة التحرير ورهبتها•
    أيّ إحساس جميــل وغريــب أن أزور سجن “الخيام” برفقة أســير محــرَّر منذ أربعة أشهر، خرِّيج معتقلات أُخرى في إسرائيــل، جـــــاء ليكتشف معي عذابات رفاقه ومحنة أُسرهــم•
    لـم أسألــه: أكان هناك ليعود نفسه أم ليُعايدها؟ كان يبدو أحياناً مريضاً بذاكرته، وأحياناً مُعافَى منها، يزورها معي بعيداً عن الصحافة التي كان يمكن أن تصنع من حـدث وجودنا معاً مادة دسمة لأغلفتها• فـ”أنـــور ياســين”، هو “الأسيــر النجــم”، الذي يعرف الناس طلّته من ظهوره التلفزيوني أكثر من مـرَّة، ويستوقفونه ليأخذوا معه صوراً تذكارية أينما حللنا في الجنوب•
    في سيـارة “الرانـــج” التي كان يقودها، وكنا نستقلُّها أنا وهو، وتلك الرفيقة، كان الشريط المختار للمناسبة لا يتوقّف عــن بــث الأغاني الحماسية، التي لم أستمع لها منذ عشريـن سنـة، مــذ فقدت فرحة وعادة تصديق الأغاني الحماسيّة•
    كان رفيقاي ينشدان مع سميح شقير:

    “ إنْ عشـت عش حــرّاً
    أو مُـت كالأشجار وقوفاً
    وقـوفـاً كالأشــجــار”

    حسـدت أنـــور ياسـيـن على غضبه، الذي لم يطفئ وهجه سبع عشرة سنة من الاعتقال• أتراه قرأ نصيحة الشاعر “انظر خلفك بغضب”، ولــذا منحـه غضبه هذه الفتوة الدائمة وابتسامة واثقة لا تفارقــه؟
    إن كــان نــــزار قبّـانـــي “محتــاجاً منذ عصور لامرأة تجعله يحزن”، فقد كنت أحتاج منذ الأزل إلى رجل يجعلني أغضب كي أستعيد صباي، رجل ينقل لي عدوى رفضه في زمن الرضوخ، ويهديني قامة غضبه في زمن الانبطاح•
    الغضب من شيمات الشباب، فاحذروا أعراض الاستكانة التي تنتابكم مع العمر•
    الطريـف أنَّ أنــــور ما كان ليُصدِّق حاجتي إلى عدواه• فقد كان يعتقد، يوم هاتفني بعد إطلاق سراحــه، أنني المرأة التي كانت بكتاباتها المهرَّبـة إلى المعتقلات الإسرائيلية تنقل إلى عشرات الأُسرى أحلامها الغاضبة وتُبقيهم مشتعلين عنفواناً•
    كنا نشق الطريق إلى بلدة الخيـام، وسط أعلام المقاومة وحواجز تُوزع الحلوى والشعارات، نستدل على طريقنا بصور الشهداء• فلا وجود هنا لصور المطربين وإعلانات ألبوماتهم التي تُرافقنا أينما ذهبنا في بيــروت• في الجنوب، أنـت لا تتصفَّح سوى ألبوم المــوت•
    كــان يومــاً جنوبيــاً طويــلاً، سأعــود في مناسبـات لاحقــة إلى الحديث عن مشاعري وأنا أزور “بوابـــة فاطمــــة”، نقطة الحـدود الفاصلة بين لبنان وفلسطين، بحاجز سلكي مكهرب، أو زيارتي الأُولى والْمُحبَطة إلى “قانـــــا” ومقبرتها التي ترعـى موتاها ابتسامة أحــد الزعماء السياسيين• فقد كانت فاجعتي الأكبر في سجن “الخيام”، الذي فوجئنا به مزاراً ترعاه وزارة السياحة، التي لم تجد حرجاً في وضع اسمها على مدخله، مساوية إيّــاه بمغارة “جعيتا” وآثــــار بعلبك، ووسط بيروت، ومطاعـم برمّـانــــا•
    لا أدري إن كانت في ذلك تُسايـر عشـرات الزوّار، الذين أصبحوا يقصدونه في العطل، كما يذهب المصريون إلى “معرض الكتاب” في نزهة عائلية مع الأولاد، محمَّلين بالسندويتشات والمشروبات، أم الزوّار هم الذين أخذوا تلك اللافتة “السياحية” مأخذ الجدّ، بعد أن تمَّ إنشاء “كافيتريا” كبيرة عند مدخل المعتقل، حيث يبيع أحدهم عند بابها أوراق “اليانصيب”، ويخرج منها الكثيرون محمَّلين بالمشروبات وصحون كارتونية عليها بطاطا و”كاتشاب”، يذهبون لتناولها في باحـة صغيرة في ساحة السجن، بجـــوار “قاعة شهداء المعتقل سابقاً”•
    أنــا التي قضيت سهرة أُفكِّـر في ما يليق أن أرتديه لزيارة ذلك السجن، احتراماً مني لمن عبروه في ثيــاب الأســـر، وبعضهم غادروه في كفَــن، شعرتُ بغبــاء رومنطيقيتي “الثوريـــة”، وأنــا أرى الناس يدخلون في كل الأزيــاء والألــوان، ويتجولـون في زنزانتــه المشرعة أبوابها للفضول ولـ”السياحــة الثوريّــة”، مــذ أُفرغت تماماً من بؤس محتوياتها، وطُليت جدرانها، بحيث انمحت حتى الكتابات التي تركها السجناء على الجدران، ليؤرِّخـوا صبرهم ويوثِّقوا عذابهم وأملهم•
    كيف يكون من غــدٍ لأُمَّـة تدخل المستقبل، وقد محــت “البويــــا” ماضيها؟
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    شفتان على شَفَا قُبلة


    "هل عشت القبلة والقصيدة
    فالموت إذن
    لن يأخذ منك شيئاً"

    الشاعر الإغريقي يانيس ريتسوس

    **1**

    اختبر الأدب بشفتيك
    كيف يمكنك أن تصف متعة
    ذروتها أن تفقد لغتك؟
    كلّما تقدّم بنا الحبُّ نشوة
    أعلن العشق موت التعبير

    **2**

    شفتان تُبقيانك على شَفَا قُبلة
    لا شفاعة
    لا شفاء لِمَن لثمتا
    لا مهرب
    لا وجهة عداهما أو قِبلة
    مجرد شفتين أطبقتا على عمرك

    **3**

    ركوة قُبلتك الصباحيّة
    قهوة لفمين
    أغرق فيها كقطعة سكر
    أرتشفها بهال الشكر
    حمداً لك
    يا مَن وضعت إعجازك في شفتين
    وجعلتهما حكراً عليّ

    **4**

    ما كنت لأُحبّهما إلى هذا الحدّ
    شفتاك اللتان نضجتا
    بصبرحبّات مسبحة
    تسلّقتا شغاف القلب
    عناقيد تسابيح وحمد
    ما كان لقُبَلِكَ أن تُزهر
    على شفتيّ
    لو أنّ فمك لم ينبت
    بمحاذاة مسجد

    **5**

    في غفوته
    في ذروة عزلته
    يواصل قلبي إبطال مفعول قُبلة
    فتيلُها أنت

    **6**

    يا للهفتك
    يا لجوعي إليك بعد فراق
    ساعة رملية
    تتسرّب منها في قبلة واحدة
    كل كثبان الاشتياق

    **7**

    كيف بقبلة تُوقِفُ الزمن؟
    كيف بشفتين
    تُلقيان القبض على جسد؟

    **8**

    يا رجلاً
    مَن غيرك
    سقط شهيداً
    مُضرّجاً بالقُبَل؟
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    شهادة في الكتابة

    " قدمّت هذه الشهادة في معهد العالم العربي في باريس سنة 1997 "


    ككّل مرة يطلب مني ان أتحدث عن تجربتي في الكتابة أجدني أنا التي احترف الكلمات, لا أدري كيف ألخّص عمري على ورق. ولا أعرف متى كان مولدي بالتحديد.
    فالكاتب يولد فجأة, ولكن غالباً في غير التاريخ الذي يتوّقعه.
    هناك من يعتقد انه كاتباً منذ الأزل. وهناك من ولد أمام أول كتاب أصدره. وآخر لم يولد إلا في الأربعين, أمام نصّه الأخير.
    لكن, أن تسوّد عشرات الأوراق, لا يعني أنك مبدع. وأن تصدر أكثر من كتاب لا يعني أنك كاتب. "همنغواي" كان يقول "الكاتب هو من له قراء" وربما كان يعني من له معجبون وأعداء. وحسب هذا المفهوم, يمكنني أن أقول أنني كاتبة.
    فأن تكتب يعني تفكّر ضدّ نفسك. أن تجادل أن تعارض أن تجازف, أن تعي منذ البداية, أن لا أدب خارج المحظور, ولا إبداع خارج الممنوع, ولا خارج الأسئلة الكبيرة التي لا جواب لها. ولو كانت الكتابة غير هذا, لاكتفت البشريّة بالكتب السماوية وانتهى الأمر. ولكن, خطر الكتابة ومتعها يكمنان في كونها إعادة نظر, ومساءلة دائمة للذات. أي كونها مجازفة دائمة. ألهذا, كلما تقدمت بي الكتابة, غادرت عمر القناعات, ودخلت سنّ الشك. ربما لأنّ الكتابة لا يمكن أن تتم على أرض ثابتة, حتى أنك تنتقل فيها من صنف أدبيّ الى آخر دون سابق قرار.
    في البدء, كنت شاعرة, وربما جئت الى الشعر في لحظة تحد. أتوّقع أن أكون ولدت في السابعة عشرة من عمري. عندما وقفت لألقي شعراً في الجزائر على جهور متحمّس وشرس. جاء نصفه ليصفق لي. ونصفه الآخر ليحاكمني بتهمة أنوثتي, والكتابة عن الحب, في زمن لم ينته فيه الأخرون من دفن الشهداء على صفحات الجرائد والكتب. أعتقد ذلك, لأن الشاعر يولد دائماً في لحظة مواجهة.
    وكهامش لهذه الحادثة التي تناقلت الصحافة الجزائرية آنذاك تفاصيلها. بما في ذلك تدخّل والدي نيابة عني للرد على الجمهور, نظراً لصغر سني وعدم قدرتي على مواجهة قاعة بأكملها.
    أذكر الآن بألم, أن أمسيتي الشعرية تلك كانت في إطار موسم شعري سنة 1973 أقيم في قاعة "الموغار". أخذ فيه شعر الشباب باللغتين الحيّز الأكبر. وهكذا فقد جاءت بين أمسيتين للشاعرين الشهيدين الطاهر جعوط ويوسف سبتي, اللذين كانا يكتبان باللغة الفرنسية. وبدآ مشوارهما الشعري معي في ذلك الموسم نفسه. وحتماً كانا يجهلان آنذاك أنه برغم الهدوء والفتور الذين قوبلا بهما من طرف الجمهور, ورغم الزوبعة الإعلامية التي حسداني عليها. سيأتي يوم بعد عشرين سنة يتصدران فيه جميع الجرائد العربية والأجنبية كشهيدين للشعر الجزائري, سقطا ذبحاً.. ورمياً بالرصاص.. بتهمة الكتابة.
    كان ذلك زمن التحدي الجميل. ورغم أنني كنت الفتاة الوحيدة التي تكتب آنذاك بين شعراء اللغتين, فقد كنت أشعر دائماً ان انتمائي لأحلام ذلك الجيل من الشباب يفوق انتمائي لأنوثتي, وأن الشعر والوطن هما قضيتي الأولى. وأما الأنوثة فهي مشكلتي وحدي.
    تأكّد لي ذلك بعد عدّة سنوات, عندما غادرت الجزائر لأقيم في فرنسا وأدخل دوّامة الحياة الزوجية والأمومة والإلتزامات الإجتماعية.
    ذات صباح استيقظت وإذا بي زوجة وأمّ لثلاثة صبيان ودكتورة في السوربون وباحثة في علم الاجتماع وطبّاخة وغسّالة وجلاّية ومربيّة في كل ساعات النهار. كان لي أكثر من لقب وأكثر من مهنة. غير أني كنت قد فقدت لقب "شاعرة".
    أعتقد أنني أنا التي أخذت قرار التخلي عن الشعر. خشية أن أصبح أدنى منه.
    أن تحترم الشعر, حدّ الإعتراف في أول خيانة له بأنك لم تعد شاعراً. هي الطريقة الوحيدة لتحافظ على لقب شاعر, ولو بينك وبين نفسك.
    فإذا كان لا شيء أكثر سطوة ووجاهة من لقب شاعر. فلا شيء أيضاً أثقل حملاً ولا أسرع عطباً من هذا اللقب.
    فإن تكون شاعراً يعني أن تكون إنساناً حراً, حريّة مطلقة. ولا أقصد فقط أن تكون حراً في الإدلاء برأيك أو حراً في الذهاب بجنونك حيث شئت قولاً وفعلاً. بل يتطلّب أيضاً أن تكون حراً في وقتك. أن تكون شاعراً يعني أن تكون بتصرّف الشعر وكأنك نذرت نفسك له. فهو ككل حالات الإبداع يأتيك متى شاء, فيلغي لك موعداً ويأخذ لك آخر. ويحجزك ساعات أمام ورقة. ويخرجك من طورك لأيام. ولذا الشعر ترف ليس في متناول أمرأة عندنا. إنه يذكرني بذلك التعبير الجميل (لمورياك) عندما يقول "أنا حصان الشعر الجامح.. لكنني مشدود الى عربة المحراث".
    وأن أكتشف أن الشعر قد غادرني لم يخفني, بقدر ما خفت أن يغادرني الحبر أيضاً, وتخونني الكلمات. فأنا إمرأة من ورق. تعوّدت أن أعيش بين دفتي الكتب. أن أحب وأكره وأفرح وأحزن وأقترف كل خطاياي على ورق. تعلّمت ان أكون كائناً حبرياً, ألآ أخاف من رؤية نفسي عارية مرتجفة على ورق.
    فأنا أحب عُريي هذا. أحب قشعريرة جسدي العاري أمام بركة حبر. وأؤمن أن الكلمات التي تعرينا هي وحدها التي تشبهنا. أمّا تلك التي تكسونا فهي تشوهنا. ولذا كان عنوان ديواني الثاني منذ عشرين سنة "الكتابة في لحظة عري".
    وربما كان لحياة الأمومة والبيت التي عشتها خمس عشرة سنة متتالية أثر في تغيير مزاجي الحبري, ونظرني الى الكتابة. ذلك ان الكتابة لم تعد كل حياتي. بل حياة مسروقة من حياتي الشرعيّة . أصبحتْ أشهى وأصبحتْ أخطر. أصبحتْ حالة مرضية. وعكة حبر, وحالة خوف وذعر من شيء لا يمكن تحديده. أصبحتْ حالة تعددية وقدرة على أن أعيش داخل أكثر من امرأة. أن يكون لي أكثر من نشرة جويّة في اليوم. وأكثر من جسد كل ليلّة. وأكثر من مزاج عشقي, وأن تكون لي يد واحدة لا أكثر أكتب بها كل هذا.. وأسرق بها كل هذا.
    (جان جنيه) كان يقول "كنت من قبل أسرق, اليوم صرت أكتب الكتب" وبإمكاني أن أقول العكس: فلقد بدأت كاتبة, وانتهيت سارقة. فالكتابة بالنسبة لي مواجهة مع الواقع المضاد. إنّها نهب وسطو دائم. فأنا أسرق الوقت لأكتب. وأسطو على مكتب إبني لأكتب, وأتحايل على من حولي لأخذ موعداً مع الورق.
    وسأظل أنهب الكلمات كما ينهب بعضهم السعادة. ذلك أنّ الكتابة هي المغامرة النسائية الوحيدة التي تستحق المجازفة. وعلي أن أعيشها بشراسة الفقدان كمتعة مهددة.
    لقد عشت عدة سنوات دون مكتب ودون غرفة للكتابة. أنقل أوراقي من غرفة الى أخرى. الأن كل الغرف من حولي كانت محجوزة, تعوّدت أن أسكن ذاتي. ولأن كل الأبواب كانت مغلقة حولي فتحت يوماً خطأ باباً كان لا بد ألا أفتحه. وإذا بي أمام نفسي. وإذا بي روائية.
    لأراغون مقولة جميلة "الرواية هي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" يوم قرأتها أدركت أنني دخلت الرواية دون أن أدري. وأنا أفتح ذلك الباب بحشريّة وفضول. وإذا بي أصاب بالدوار والذهول وانا أقع على امرأة توقعتها غيري.. وإذا بطوفان الكلمات يذهب بي نحو نصّ مفتوح ومخيف في نزيفه. لم يكن إلا رواية سيكون حجمها أربع مئة صفحة ويكون إسمها "ذاكرة الجسد".
    عن هذه الرواية التي كان لها قدر أكبر مما توقعت, لن أقول لكم شيئاً. فأنا لست هنا لأروج لها. إنني اعتبر صمت الكاتب بعد كل كتاب جزءاً من إبداعه.
    فالكاتب عليه أن يقول كل شيء في كتابه وليس بعد صدوره. وليس عليه أن يقول أكثر مما كتب ليشرح للآخرين ما كان ينوي قوله. كل كتابة لا بد أن تؤدي الى الصمت. ولذا الأجمل أن يصمت الكاتب بعد كل كتاب أحتراماً لذكاء القارىء. ولأبطال لم يعودوا في حاجة إليه بعد الآن.
    ولكن ما أريد قوله, هو أن الكتابة مشروع شخصي. ورحلة لا يقوم بها المسافر إلا وحده. لسبب وحده معني به.
    وحتماً إن رحلة على هذا القدر من المجازفة والمواجهة تكون شاقة أكثر بالنسبة الى المرأة التي تدفع مقابلها ثمناً مزدوجاً. هو ثمن الكتابة.. وثمن الأنوثة.
    أمّا إذا كانت جزائرية وتكتب باللغة العربية, فهي معرّضة لمخالفتين إضافيتين, الأولى أن تدفع ثمن هويّتها والثانية ثمن اختيارها الكتابة بلغة محفوفة بالمخاطر أكثر من غيرها.
    فهل نعجب بعد هذا, أن لا يكون لنا في الجزائر شاعرات أو روائيات باللغة العربية. على ألأقلّ بما يعادل باللغة الفرنسية على قلّتهن. وهل نعجب أن يكون ديواني الصادر سنة 1973 في الجزائر أوّل ديوان شعري نسائي باللغة العربية. وأن تكون روايتي (ذاكرة الجسد) الصادرة بعد ذلك بعشرين سنة تماماً. هي أيضاً أول عمل روائي نسائي باللغة العربية. وكأن الأدب الجزائري المكتوب باللّغة العربية لم يكن ينتظر غيري طوال عشرين سنة. في بلد تتخرّج عن جامعاته كلّ سنة آلاف الطالبات, بإتقان للغة العربية.
    إن اكتشافاً كهذا لا يملأني زهواً فأنا أعي أن وجاهتي الأدبية تعود لمصادفة تاريخية وجغرافية, ليس أكثر.
    بقدر ما يملأني بإحساس غامض بالخوف على اجيال لن تعرف متعة الكتابة بهذه اللغة. بل وقد لا تعرف متعة الكتابة على الإطلاق. بعد أن حرمها البعض من متعة القراءة أيضاً. وأقنعها أن الكتاب صديق سوء. وأن هناك كتباً مفخّخة تنفجر في قارئها. وأن الكتّاب قطاع طرق يتربصون بالقارىء بين صفحتين, ومجرمون يتنقلون وفي حوزتهم أوراقاً وأقلاماً. وأنهم صنف بشري لا يستحق الحياة.
    في زمن ما زالت فيه الحدود مغلقة أمام ما تبقى واقفاً من أقلام. وما زال فيه أنظمة عربية من الجهل, بحيث تخاف حتى من عناوين كتبنا. وتمنع مؤلفاتنا من قبل حتى أن تقرأنا. وثمّة أخرى استرخص فيها دم وشرف الكتاب بحيث يموتون كل يوم مقابل حفنة من الكلمات. نحن نطمح أن تعيش كتبنا.. لا ان نعيش منها. نطمح أن تسافر كتبنا لا أن نسافر على حسابها. نطمح أن لا يشتري القارىء كتبنا على حساب لقمته. لأنه لن يزيدنا ثراءاً.. وإنما يزيد من عقدة ذنبنا.
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عُذراً للغابات


    أعرف عملاً أكثر جرأة، من إقدام المرء على نشر كتاب• فإذا كانت الكتابة في حدِّ ذاتها مجازفة، فإنّ السرعة في إصدار ما نعتقده أدباً أو شعراً، تهوُّر لا يُقدم عليه إلاّ مَن لا يعنيه أن يكون أديباً، بقدر ما يكفيه وضع تلك الصفة على كتاب•
    أمّــا المبدع الحقيقي، فهو إنسان غير آبه بالألقاب “المنهوبة”• إنّه كائن مرعوب بحكم إحساسه الدائم بأنه عابرٌ، وبأن لا شيء سيخلد سوى كتاباته• فكلُّ ورقة يخطّها ويرضى أن يراها مطبوعة في كتاب، هي ورقة يلعب بها قدره الأدبيّ، وسيُحاسب عليها كأنه لم يكتب سواها•
    ولذا كان فلوبير يقضي أياماً كاملة في صياغة، وإعادة صياغة صفحة واحدة، وكان بورخيس العظيم يزداد تواضعاً كلّما تقدّمت به الكتابة، حتى إنه صرّح في آخر حياته “إني أفترض أنّ بلوغي سن الثمانية والثمانين، يؤهّلني لكتابة بضعة سطور جديرة بالذِّكر، أمّا البقيّة ففي الإمكان “أن تذهب إلى القِدر” كما اعتادت جدَّتي أن تقول”•
    وقد ذهب بعض كبار الكتاب حدّ إحراق مخطوطات، قضوا أعواماً في العمل عليها، وأمر البعض بإتلافها بعد موته، خشية أن تصدر في صيغة تسيء لمكانته الأدبية•
    وفي زمن نشهد سقوط هيبة الفن، وسطوة النجوميّة، أصبح في إمكان أي شاب عربي، تؤهله جرأته وحباله الصوتية لاقتحام شاشتنا، أن يغدو “سوبر ستار” ولو برهة، ويختبر فينا قدرته على الزعيق وقدرتنا على الصبر، ليس عجباً أن نشهد استباحة هيبة الكتابة أيضاً، بعدما أصبح كلُّ مَن يُحسن القراءة مشروع كاتب، وكلّ مَن أُصيب بخيبة عاطفيّة شاعراً، ومن حقّه أن يُجرِّب نفسه في رواية أو في ديوان شعر• وهو، أيضـــــاً، لن يقبل بأقل من لقب “سوبر ستار”، ومن أوّل ديوان، يرفض أن يُشبَّه بغير نــــــزار! وهو، كالكثيرين الذين نُصادف كتبهم مهمَلة في المستودعات، لا يمنح موهبته ما يلزمها من وقت للنضوج•
    ماذا نفعل بربِّكم مع كتّاب لا يتردد بعضهم في ارتكاب جرائم في حقّ الأشجار، مُستعدّاً، إنْ اقتضى الأمر، لإتلاف غابة من أجل إصدار كتاب لن يقرأه أحد، إلاَّ حفنة من المعارف الْمُرغَمين على مباركة جرائمه الأدبيّة؟
    والعجيـــب إصــرار هؤلاء على المزيد من “الإنتـــــاج”، لا يثنيهم عن “الإبـــداع” أن يفوق عدد كتبهم عدد قرّائهم، ولهم في هذه النكبة فتــوى• فقلَّــة انتشارهم، وعدم فهم الناس أعمالهم أو تذوّقها هما نفسهما، دليل نبوغهم• ذلك أنه ما من موهبة تمرُّ بلا عِقاب•• وهم قد يردّون على قول هيمنغواي: “الكاتب هو مَن له قرّاء”، بأن رامبو، الذي غيَّـر لغة فرنسا وترك بصماته على الشِّعر العالمي، لم يطبع من كتابه “فصل في الجحيم” أكثر من خمسمئة نسخة، بينما اكتفى مالارميه بطباعة أربعين نسخة من أحد دواوينه، يوم أصدرها في طبعتها الأُولى•
    ومثل هؤلاء “النابغين” لا جدوى من نُصحهم أو إقناعهم بتغيُّـر مهنتهم• فكلُّ واحد منهم واثق تماماً بأنه يفوقك موهبة وينقصك حظاً، وإلاّ لكان أكثر شهرة منك، مادام قد أصدر من الكتب في سنة، ما لا تصدره أنت في ربع قرن•
    وأذكر أنني في الصيف الماضي، أثناء إقامتي في جنوب فرنسا، قرأت أنّ جمعاً من الشعراء قرروا أن يلتقوا جمهور الشِّعر في غابات الجنوب، ليس فقط بقصد توفير فضاء يليق بجَمَال الشعر، بل أيضاً امتنان منهم للغابات والأشجار، التي توفّر لهم الورق الذي يطبعون عليه أشعارهم•
    وفكّرت يومها في أنَّ ثمَّة أكثر من فائدة في نقل مهرجاناتنا الشعرية، ومؤتمراتنا الأدبية إلى الغابات• فقد تُصلحُ الطبيعة ما أفسدته عادات الضيافة الباذخة، في ولائم شراء الذِّمم•
    ثمّ، قد تكون فرصة للبعض، لتقديم اعتذارهم للغابات• على ما اقترفوا في حقها من جرائم أدبية•• من أجل كتب لن يقرأها أحد•
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عرائس الكرة.. وأراملها


    مازال البعض يذكر ذلك الحدث العجب، يوم اختار الاتحاد الإيطالي لكرة القدم أوّل امرأة حكماً في دوري الدرجة الممتازة. يُقال إن الصحافة الرياضية الإيطالية كانت مهتمة أكثر بجاذبية كريستينا، من اهتمامها بالأخطاء التحكيمية، تماماً، كما أحدثته مرّة إحدى الشرطيات الجزائريات من فوضى، عندما كُلفت بتنظيم السير في أحد تقاطعات شوارع العاصمة. إذ بسبب جمالها، ظل سائقو السيارات يدورون حول المستديرة التي توجّه فيها السير.
    نزول الحسناء الإيطالية إلى الملعب، هو آخر حيلة عثرت عليها النساء، لِبثّ البلبلة في ملاعب كرة القدم، حيث منذ الأزل يلاحق الرجال الكرة، وتلاحق النساء، بالنظر، الأرجل المفتولة التي تتقاذفها، دون أن يتنبه أحد لغبن نساء لا يفهمن كيف أن كل هؤلاء الرجال المتراكضين المتدافعين بسبب كرة، يجدون في قطعة جلد كروية، من السحر والإثارة أكثر مما يجدونه في أنثى.
    وكانت النساء قبل ذلك، وقد فشلن في استعادة رجالهن من هذه الضرّة، قرّرن أن ينتقمن لأنوثتهن بمشاركة الرجال في هذا الهوس الكروي، لا لأسباب كروية، بل بسبب الأجساد الرجالية المنحوتة بكل لياقتها البدنية، التي بذريعة المؤانسة، تجلس النساء للتفرّج عليها بجوار أزواج ضامري العضلات، منتفخي البطون، يرتدون عباءاتهم وألبسة نومهم، وينتفضون كالدببة هاتفين لأهداف، هم عاجزون عن تسجيلها مهما صغر الملعب.. واتسع المرمى!
    وقد وصلت الحال بالنساء أن أصبح لهن أيضاً أهواء كروية، بعد أن اقتنعن بأن أجمل القصائد تقولها أقدام رجالية لاهثة راكضة، وأجساد تقفز في السماء لتتلقّف الكرة بأحضانها.
    إنهن يبحثن عن رجل يسعى إليهن كما يسعى رونالدو إلى كرة: "مِكَرّ مفرّ مقبل مدبر معاً"، وعن عاشق يصيبهن منذ الضربة الأولى بدقة الألماني كلوزة في تصويب ضربته. إذ حقق في المونديال الماضي رقماً قياسياً بتسجيل (5) أهداف. يلزمهن رجل يحاورهن بفصاحة قدمي زيدان، لا بمذلة ابن زيدون أمام ولاّدة، ويعادل سعره في سوق الرياضة والإعلانات، سعر طائرة "إيرباص"، من نوع "A321"، ويتقاضى سنوياً ما يعادل أجر عامل فرنسي عادي خلال ستة آلاف سنة من العمل، وعندما يصاب في ركبته، تعيش فرنسا، حسب صحافتها، معلقة لأيام إلى فخذه، ريثما يشفى، لكون مجدها الكروي رهن رجليه ذواتي الأصول الجزائرية.
    بمن تحلم النساء؟ حسب استطلاعات الرأي: بلاعبي الكرة. إنهن يجدنهم أكثر جاذبية من الممثلين والمغنّين. حتى إن %50 من الفتيات الإيطاليات يحلمن بامتلاك العِصابة التي يضعها قائد المنتخب الإيطالي باولو مالديني على جبينه أثناء المباراة. وشخصياً، أشك في براءة النعوت الفحولية التي أطلقها كل بلد على فريقه في "حديقة حيوانات المونديال"، حيث تتناحر الأسود الأفريقية والديوك الفرنسية والأحصنة السوداء البرازيلية والتنين الآسيوي.
    وأتفهم، والحال على ما هي عليه، من غواية شغف النساء المفاجئ بالأقدام، حدّ مزايدتهن على الرجال تعصباً كروياً.
    فإذا كان مواطن أردني قد كسر شاشة تلفزيونه أثناء المونديال، احتجاجاً وقهراً على خسارة فريقه المفضل، فقد أصبح لنا نحن النساء أيضاً شهيداتنا في ساحة كرة القدم، بعدما لم يكن لنا إلاّ "أرامل المونديال". فقد فقدت فتاة مصرية توازنها وسقطت من الشرفة، وهي منهمكة في توجيه الصحن اللاقط، قصد متابعة إحدى المباريات. وصار لنا ضحايانا أيضاً مذ طلّق مواطن سعودي زوجته إثر احتفالها بفوز فريقها في كأس الخليج العربي، بينما الزوج من مشجّعي نادٍ آخر، وأغاظه أنها راحت تطلق الزغاريد في المنزل، بعد أن ارتدت ملابس تحمل شعار فريقها، فاتصل بإخوتها لنقلها إلى منزل والدها.
    الخوف أن يكون أبوها وإخوتها أيضاً، من مشجعي فريق غير فريقها، فتتقاذفها أقدام رجال القبيلة، كرة قدم من بيت إلى آخر، وتنتهي حسب قول أمي "شردودة.. لا مطلقة ولا مردودة"، كان عليها أن تؤمّن على آخرتها قبل أن تختار فريقها!
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عرس في ماربيلا

    يقول مثل جزائري “كان القطّ مهنّي•• شرالو مولاه فّاد” (كرش شاة)• ذلك القط، كان سعيداً “ومتهنّي”، يعيش على اصطياد الفئران، حتى ذلك اليوم الذي أراد صاحبه تدليله، فأحضر له كرشة خروف، أو “كروش وقبوات”، كما يقول اللبنانيون، فضاع المسكين بين أمعاء وأحشاء الشاة، وحار من أين يأتي تلك الوليمة، التي لا يعرف لها أوّلَ مِن آخر•
    مثله كنتُ سعيدة بوحدتي، وبوجودي بمفردي في “كـــــان”• ولفرط ما انتظرت هذه العطلة التي نذرتها للكتابة، أعددتُ حقيبة تشي بزهدي في مباهج الصيف، حتى إنّ ما أحضرته معي من بيروت، من كتب ودفاتر ومسوّدات، يفوق ما أحضرته من ثياب ولوازم بحر ولوازم سهر•
    لكن، كما في شرح صديقنا الأرمني قول الشاعر “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، بقوله “هواء يروح هيك•• وبابور يروح هيك”، وجدتني “هيـــك”، عندما ذَهَبَت بي الريح إلى ماربيلا، إثر هاتف من أحد الأصدقاء، يدعوني فيه إلى حضور زفاف أُخته•
    ولأنني لا أعرف كيف أُقاوم النداء السرِّي لـ”ماربيلا”، فلقد سعدتُ بدعوته، وقَبِلتها من دون تفكير في مُتطلّباتها ولوازمها، قبل أن تبدأ أخبار الاستعدادات لذلك العرس الخرافيّ في الوصول إليَّ، ومعها أسماء الأثرياء والمشاهير الذين ضاقت بهم الفنادق الفاخرة للمدينة•
    ومن وقتها وأنا مثل ذلك القط، “حايصــــة” وحائرة أمام وليمة فـــرح لم أُهيّــأ لها•
    ذلك أنني لم أكتسب ثقافة الأعراس، ولا القدرة على تبذير أيام وأسابيع في الاستعداد لليلة واحدة، حتى إنْ كانت تلك الليلة “ليلتي” حسب أم كلثوم، وكان ذلك العرس عرسي•
    بل إنّ عرسي الحقيقي، الذي تمّ عقد قراني فيه مَدنياً في الدائرة السادسة عشرة الراقية في باريس، أخذ مني الإعداد لأوراقه، أكثر ما أخذ مني شراء فستانه البسيط من وقت، لا يتجاوز لحظة رؤيته في واجهة• وأعتقد أنه بفضل ذلك الفستان، الذي كان ثمنه لا يتجاوز مئة دولار، صَمَدَ زواجي سبعاً وعشرين سنة• وأذكر أنّ الشاهدين اللبنانيين اللذين حضرا العرس، بصفتهما عاشقين متواطئين مع سرِّية زواجنا “الانقلابيّ”، كانـــا أكثر أناقة منا، لكنهما على الرغم من ذلك، لم يتزوجا حتى اليوم•

    لابالي بهَوَس الأعراس، ولا أنفق من وقتي ومالي، استعداداً لأي عرس، أكثر ممّا أنفقت على عرسي، حتى لا أُصاب بجنون نساء أَراهــنَّ من حولي، يدخلن في حالة هَبَـل كلّما دُعين إلى عرس، وكأنهن في سباق مع العروس ليكنَّ أَجمَل منها•
    وكنتُ سأقترح على مدير التحرير، أن يُخصِّص لي تحقيقاً مُصوَّراً، أُثبت لكم فيه بالعناوين والأسعار (وصور لي في حفل الزفاف الخرافي ذاك)، كيف أن في إمكانهم حتى في “كــــان”، شراء لوازم عرس كبير، قد تحضرونه في ماربيلا، بثمن أقلَّ مما كنتم ستدفعون في بيروت أو في الجزائر•
    ذلك أنّ “كـــــان”، كما المدن الأُخرى، لها شِعابها وأحشاؤها، التي يعرفها أهلها، ومَن قضى فيها مثلي أكثر من عشرين صيفاً•
    وعلى الرغم من ذاك، لم يكن سهلاً العثور صيفاً على فستان سهرة طويل في مدينة تحترف التعرِّي• لــــذا شهقتُ عندما رأيت ثوبــــاً من الساتان الورديّ المتموِّج بنصف كتف، لا يتعدّى ثمنه بعد التنزيلات الْمُذهلة، ثمن فستان عرسي منذ 27 سنة• فأخذته وركضت به بحثاً عن إكسسوارات• وقد وجدت في المحال بائعات تجندن بتواطؤ نسائي لمساعدتي، حالما حكيت لهنَّ ورطتي كضيفة “مُندسَّــة” في عرس كبير، ورحــن يتجادلن لإضفاء تفاصيل الأزياء الراقية عليه، حتى بدا بالورود العنقودية الْمُنسابة من كتفه، وبالشَّال ذي الألوان الْمُتماوجة، وكأنه من توقيع مُصمِّم كبير• واكتشفت أنّ البائعات يتعاطفن كثيراً مع النساء البسيطات، لأنهن يشبهنهن، ويصبح همُّهنَّ تحويلهن إلى “سندريللا” بأقل ثمن ممكن، بينما يستغبين النساء الثريات ويضحكن عليهنَّ، كلّما نصحنَهنَّ بشيء، سعيدات بتشليحهنَّ مالهنَّ ليثأرن بذلك لأحلامهنَّ وأجورهنَّ المحدودة•
    إحداهـنَّ وجَّهتني إلى محل فاخر، ترتاده ضيفات مهرجان “كان”، مُتخصِّص في تقليد مُطابِق لأضخم تصاميم المجوهرات، فاشتريت خاتم ياقوت مُذهلاً في مصداقية أحجاره، بـ(40) يــــــورو، وأقراطاً من الفخامة، بحيث تكاد تُضاهي أقراط الألماس والياقوت التي أهدتني إيّـاهــا الغالية أسماء الصديق، باسم عضوات “الملتقـــى” في أبوظبـــي، (وتركتها في بيروت لصديقتي الأقرب، لكونها مَدعوَّة هذا الصيف إلى أكثر من عرس)•
    لم أحتج إلى شراء حذاء جديد• فلطول الفستان اكتفيت بانتعال “قبقاب” فضيّ بـ”كعب عالٍ”•
    ولأنّ هذه الدوشة أخذت مني يومين، فإني أحتاج إلى عرسٍ ثانٍ لاستثمار مُقتنياتي•
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    على مرأى من ضمير العالم


    لم أبكِ أمام جثمان أبي (نحن نبكي دائماً في ما بعد)، لكنني بكيت وأنا أُشاهد ذلك الرهــط الغريب من الرعاع واللصوص وهم يهجمون على متحف بغداد، فيستبيحون ذاكرة الإنسانية، ويعيثون فيه خراباً، ويدمِّرون كل ما لم تستطع أيديهم نهبه، ويتركونه وقد غــدَا مغارة مرَّت بها الوحوش البشرية.

    هكــذا، "تحت وضح الضمير" العالمي، طــال النهب والتدمير 170 ألف قطعة آثار ونفائس تاريخية، لا يوجد مثيل لها في أي مكان في العالم.

    حدث هذا على مرأى من جيوش جاءت تُبشِّرنا بالحضارة، مُفاخرة بمعدّاتها المتطوِّرة في الاستطلاع، والتقاط "الصور الحرارية"، والرؤية الليلية، لكنها لم تــرَ شيئاً، بينما أكبر مخازن التاريخ تُنهب كنوزه في عز النهار.

    فهـي لــم تــأتِ أصلاً لحماية التاريخ، ولا لصيانة الذاكرة، إنما لإعادة صياغتها، بحيث نتساوى جميعاً في انعدامها، مُراعاة ومجاملة لتاريخها. عُذرها أنّ العالم بدأ بالنسبة إلى تقويمها، منذ خمسة قرون فقط، يوم نبتت أميركا على قارة كانت حتى ذلك الحين، مُلكاً للهنود الحمــر. ولــذا هي لم تتوقع أن يكون للعراق الصغير الذي استضعفته، وجــاءت تلتهمه كهامبرغر، وهي تتجرَّع الكولا على دبابة الحريَّة، تاريخ يفوق تاريخها بخمسة آلاف سنة. بل إنها لم تتوقع أن تجد فيه مؤسسات وجامعات ومتاحف ومكتبات وبيوتاً جميلة، وحدائق عامة وطرقات حديثة، وفنادق فخمة، وأُناساً مثقفين، جميليــن ومُكابريــن، ليســوا جميعهم قطَّاع طرق ومجرمين، ولا متسوِّلين يستجدون من جنودها الماء والرغيــف.

    بوش نفسه لم يكن يعرف هذا، حتى إنَّ كاريكاتوراً فرنسياً، أظهره وهو يُوبّخ مستشاره قائلاً: "لماذا لم تقل لي إنَّ في العراق مدناً وليس صحارى فقط؟".

    فهــل نعجب ألاَّ يعرف جنوده عن العراق سوى كونه بلداً يملك ثاني احتياطي بترول في العالم، فيُسارعوا حال سقوط تمثال صـدّام، إلى تطويق وزارة النفط، والتمركُز حولها، حرصاً على حماية وثائقها وعقودها من التلف، بينما يُسلِّمون بلداً بأكمله للسرَّاق واللصوص، ليُدمِّروا بمباركة منهم، السفارات الغربية، التي وقفت ضــد غزو العـراق، وينهبوا بكلِّ طمأنينة، بقيَّة الوزارات والمؤسسات والجامعات، فيحرقوا السجلات والأبحاث والشهادات ووثائق المكتبة والأوراق الثبوتية.. بــل يطــال نهبهم وتدميرهم حتى المستشفيات، وغرف العمليات وسيارات الإسعاف، في بلد يفترش جرحاه الأرض بعد كلِّ قصف أميركي، وتقــول القـوّات الغازيــة، إنها شنَّت عليه، الحرب لا لغايــة اقتصادية، بــل "لضرورة أخلاقية".
    وهــو ما لم يدَّعه "هولاكــو" يوم غــزا بغداد، برغم أن الجرائـم نفسها حدثت يوم دخلها على ظهر بغلته. فقد جاء في كتب التاريخ، أنَّــه يومها نُهبت الأسواق والخانات، واستُبيحــت البيوت، وهُدِّمـت كنائس وجوامــع، وحُـوِّلـت المدارس لتغدو اسطبلات "لبغال" جيش هولاكــو، وزُينت "نعال" الجياد بالياقوت والزمرُّد، ممّا نُهب من بيت الخلافة، وصــار الـمـاء في دجلة أُرجوانياً لفرط ما انداح فيه من دم، وما ذاب فيه من حبـر المخطوطات، التي أُلقيـت فيه.
    صــدّام الذي قال: "الذي يريد أن يأخذ العراق منَّا سيجده أرضاً بلا بشر"، لم يسعفه الوقت لالتهام أكثر من مليوني عراقي، فارتأى لمزيد من التنكيل بمن بقي حيّـاً من العراقيين أن يتركهم بشراً بلا وطن. فقد كان، ككل الطُّـغـاة، مقتنعاً بأنه هو العـراق، وبأنَّ التاريخ الذي بــدأ بــه، لابد أن ينتهي معه. ولــذا، حسب المثل اللبناني "جــاء بالدبّ إلى كرمه"، وسلَّمه العراق بلا جيش، ولا علماء، ولا تاريخ، ولا مؤسسات، ليعيث فيه فساداً، ويدوس عناقيده على مرأى ممَّـن قُـدِّر له منَّا أن يحضر هذه الفاجعة.
    مأساتنا الآن تختصرها تلك العبارة التي ينهي بها منصور الرحباني مسرحيته "ملـوك الطوائـف". قائلاً: "إذا مَلِكٌ راح بيجي ملك غيره.. وإذا الوطن راح ما في وطن غيره".
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    على مشجب انتظارك

    حين تغضب
    تعلق ضحكتك على المشجب
    تترك للهاتف مكر صمتك..
    وتنسحب
    وتغتالني في غيبتك أسئلتي
    أبحث في جيوب معطفك
    عن مفاتيح لوعتي
    أود أن أعرف.. أتفكر فيَ؟
    أيحدث ولو لغفوة
    أن تلامسني أحلامك قبل النوم؟
    أن تبكيني ليلا وسادتك؟
    ***
    حين.. أمام حماقاتي الصغيرة
    تفقد كلماتك أناقتها
    ويخلع وجهك ضحكته
    لا أدري عن أي ذنب أعتذر

    وكيف في جمل قصيرة
    أرتب حقائب الكذب
    أمام رجل لا يتعب
    من شمشمة الكلمات
    ***
    ..على صحوة غيرتك تأتي
    بثقة غجري اعتاد سرقة
    الخيول
    أراك تسرق فرحتي
    تطفىء أعقاب سجائرك
    على جسد الأمنيات
    تحرق خلفك كل الحقول
    وتمضي
    تاركاً بيننا جثة الصمت
    ***
    حين يستجوبني حبك
    على كرسي الشكوك
    عنوة يطالبني بالمثول
    يأخذ مني اعترافاً بجرائم لم
    أرتكبها
    كمحقق لا يثق في ما أقول. .
    يفتش في حقيبة قلبي عن رجل
    يقلب دفاتر هواتفي. .
    يتجسس على صمتي بين الجُمل
    ماذا أفعل؟
    أنا التي أعرف تاريخ إرهابك العاطفي
    أأهرب؟
    أم أنتظر؟
    ***
    أنت الذي بمنتهى الإجرام..
    منتهى الأدب
    تغير أرقام قلبك
    إثر انقطاع هاتفي
    كما تغير الزواحف جلودها
    كما تغير امرأة جواربها
    عسى تجن امرأة بك.. أو تنتحر
    ***
    منذ الأزل
    تموت النساء عند باب قلبك
    في ظروف غامضة
    فبجثثهن تختبر فحولتك
    وبها تسدد أحزانك الباهظة
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عواطف "ثور..يّــة" لمحبِّي البقر


    لكأنّ تلك البقرة، التي بدت عليها أعراض الجنون، وقد تتسبّب للاقتصاد الأميركي، في خسارة تفوق الأربعين مليار دولار، كانت هديّة صدّام إلى بوش في أعياد الميلاد. وربما تكشف تحقيقات وكالة الاستخبارات الأميركية مستقبلاً، أنّها مُنخرطة في جيش “فدائيّي صدّام”، وكانت تنتظر الوقت المناسب لتُباشر مهمتها التاريخية، في إلحاق أكبر الخسائر بـ”معسكر الشرّ”، انتقاماً للقائد الراعي، الذي كان “يسوق القطيع إلى المراعي”، حين ساقه جنونه إلى تلك الحفرة. ونظراً إلى كون الرجل من برج الثور، أتوقّع أن يأتي من البيطريِّين الأميركيين، مَن يقول إن البقرة جنّت بصدّام.. أو جنّت بسببه. فلولا جنون البشر، ما كان لجنون البقر أن يوجد، بعد أن أراد البعض معاكسة الطبيعة، وإجبار المواشي على أكل اللحوم، تماشياً مع نزعاته الافتراسيّة.
    وليس عجباً، أن تقع البقرة في حُبّ الرجل. وقد قرأت مرّة أنّ مُزارعاً من جنوب أفريقيا عانى الغيرة الشديدة، التي تتملَّك إحدى بقرات مزرعته، ما كاد يؤدي إلى انهيار حياته الزوجيّة، بسبب إعجاب البقرة به منذ أعوام، وتتبُّعها له كظلّه أينما ذهب. وعندما تزوَّج المسكين قبل عامين، ظلّت البقرة مُصرّة على إعجابها وتعلُّقها به، وكانت تستشيط غيظاً، كلّما رأته يُداعب زوجته أو يمسك بيدها. وقد حاولت البقرة مراراً قتل الزوجة، بأن تطاردها وتحاول نطحها، لتوقعها في بئر المزرعة. ومنذ سنتين والرجل حائر بين بقرته وزوجته، لا يطاوعه قلبه على بيع الأُولى، ولا على تطليق الثانية، ولسان حاله مع البقرة المخدوعة “أخونك آه.. أبيعك لا”.
    ووقوع بقرة في حب رجل، ليس أعجب من وقوع ملكة في حُبّ ثور. ففي الجنون “ما فيش حدّ أحسن من حدّ.. ولا بقرة أجنّ من مرا”، كما جاء في “فن الهوى” لـ”أوفيد”، الذي يحكي لنا أُسطورة الملكة “باسيفاي”، التي وقعت في حُبّ ثور، وراحت المسكينة تتجمَّل له كلّ يوم، وتأتيه في كلّ زينتها وهو غير آبه لها، مشغول عنها بمعاشرة البقرات، حتى تمنّت لو نبت لها قرنان فوق جبينها، عساها تلفت انتباهه.
    ويبدو أنّ “باسيفاي”، كانت أوّل كائن أُصيب بجنون البقر. فما لبثت أن هجرت قصرها إلى الغابات والوديان، لتُحملق في كلّ بقرة، تقع عليها عيناها، مُشتبهةً في كلّ بقرة حلوبٍ لعوب، تتمرّغ على العشب الناعم، تحت بصر حبيبها الثور، عساها تسرق لبّه. وذهبت الغيرة بالملكة حدّ الفتك بغريماتها، بإرسالها إلى الحقول لإنهاكها بجرّ المحراث، أو إلى المذبح بذريعة نحرها قرباناً للآلهة.
    لـــذا، أنصح النساء بأن يأخذن، بعد الآن، مأخذ الجد وجود البقرة كغريمة للمرأة، ومنافسة يُحسب لها ألف حساب، خاصة مذ نزلت الأبقار إلى ساحة الجَمَال وإعلان “جائزة أفضل تسريحة شعر للبقر” في ألمانيا، واستعانة أصحاب الأبقار المتسابقة، بكل عدّة التجميل النسائي، من سيشوارات وبودرة وجلاتين ومثبتات شعر. وإن كنت لا أذكر اسم البقرة الفائزة، فأتوقّع أن تكون بقرة رأسمالية “شبعانة” كسولاً ومغناجاً، لا تشبه في شيء “بقرة حاحا النطّاحة”، التي وصفها لنا أحمد فؤاد نجم، في إحدى قصائده الشهيرة، بعد حرب 67 وأُودع بسببها السجن.
    والأمر على ما هو عليه من العجب، لا أرى سبباً بعد الآن لغضب امرأة، يناديها زوجها “يا بقرة”. خاصة بعدما كشف لنا رجال الفضاء الوجه البشع للقمر، وبعد إعلان النجم راسل كرو، أنه انفصل عن صديقته الفاتنة، ليستطيع تمضية وقتٍ أكبر مع الأبقار في مزرعته. وفي هذا السياق، يبدو اعتراف الرئيس بوش، في بداية حكمه، بالتواصُل مع الأبقار، اعترافاً يشهد بأخلاقيات الرجل، الذي يفضّل على مُعاشرة المتدرّبات في البيت الأيض، عِشرة الأبقار. وعندما لا يكون رئيس الولايات المتحدة مع زوجته، أو مع والدته بربارا، يكون مأخوذاً بالاستماع إلى كوندليزا رايس، أو إلى الأبقار. فقد قال في تصريح، مازلت أحتفظ به: “أتطلّع إلى مشاهدة الأبقار، التي تتحدث معي، لأنني مُستمع جيّد”.

    ماذا لو كان بين الأبقار المتحدثة لبوش، تلك البقرة المجنونة؟
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عيونهم.. التي ترانا

    كلُّ كتابة عن معاناة الأَسرى الفلسطينيين الأبطال، الذين أعلنوا منذ أيام الإضراب المفتوح عن الطعام في السجون الإسرائيلية، تحتاج لكي تأخذ مصداقيّة فاجعتها، إلى أن يكون كاتب المقال، كما قارئه، قد خَبرا الجوع الاختياري الطويل، وقرَّرا من أجل مبدأ، لا مَن أجل مَكسَب، الدخول في زمن قهريٍّ، لا يُقاس بمقياس الزمن العادي• زمن يتمرَّد على الساعة البيولوجيّة للإنسان، التي تتحكّم في تقسيم يومه حسب الوجبات الثلاث، وإقناع هذا الجسد الذي لا منطق له، بأنّ الواجب أهم من الوجبة، وبأنّ الكرامة ثمنها المجاعة، والدخول في غيبوبة الزمن الطويل المفتوح على الوهن، وعلى الأمراض المزمنة•• وعلى احتمال الموت جوعاً وظمأً•
    لم أختبر هذا الجوع النبيل الجميــل، الذي يردُّ به الأسير الأعزل، إلاّ من جسده، بتجويع هذا الجسد مَنعاً لإذلاله وتركيعه• ولا أدري إنْ كنتُ سأقدر عليه، لو أنَّ الحياة وضعتني أمام اختباره•
    لكنني أعتقد أنّ الكتابة عن محنة هؤلاء الأبطال، في مواجهة معركة الجوع، تتطلَّب من الكاتب الْمُدلَّل شيئاً من الحيـــاء، وبعض الخجل أمام النفس أوّلاً•
    فليس في إمكانك كتابة مَقَال عن إضراب جـــوع، انضمَّ إليه الأَسرى الأطفال، والأَسرى المرضى، بامتناعهم عن تناول الدواء، وذهب المئات، في عزِّ الصيف، حدَّ التهديد بالامتناع عن شرب الماء، ردَّاً على الحرب النفسية التي تُشَـنُّ ضدَّهم•
    لا يمكن الكتابة عن هؤلاء، وأنت قائمٌ لتوِّك من طاولة الغداء العامرة بما يحلم به أطفال جياع في عمر أولادك• وإلاّ، ما الفرق إذن بينك وبين جلاّدهم الذي يشوي اللحم في الساحات الْمُقابِلة لزنزاناتهم، حتى تترك رائحة اللحوم المشوية آثارها النفسية والمعنوية في الْمُضربين، وتزيد من ألـم جوعهم؟
    إنْ كنت لا ترى الأَسرى، فعيونهم تراكَ، حيث هم في زنزاناتهم، بأجساد وَهِنة ضــاق بها الهَوَان العربي، وأنهكها الدفاع عن كرامتك•
    لــــذا، إنْ لم تكن جاهزاً لمواساتهم بالجوع، ولو يوماً واحداً، ولا بالامتناع عن التهام كــوب البوظــة، أو لوح الشوكولاتة التي تعشقها، فلا تكتب عنهم•
    أنت لن تبرِّئ ذمتك بمساندة ذوي البطون الخاوية•• بفائض الكلام، ولن تُوفي دينك تجاههم بتمجيد الجوع، والتغني ببطولة رجال، ثملت بدمائهم الأرض العربية•
    أجّلت كتابة هذا المقال عن نزاهة أدبية، لأنَّ في تلك الزنزانات أهلاً لي، أُناساً أحبّهم ويحبونني حدَّ الإحراج العاطفي• مازال صوت بعضهم عالقاً في أُذني• كصوت الأسير محمود الصفدي، الذي طلبني، من سجن عسقلان، قبل سفري إلى عطلتي الصيفية بيوم، طالباً مني أن أرسل إليه إحدى رواياتي موقّعة، مع أحد المسافرين إلى الأردن، الذي سيُسلِّمها مَن سيتكفل بإيصالها إلى فلسطين، حيث ستتكفل خطيبته عطاف بتسليمه إيّاها عند زيارته•
    لا أدري ما أخبار محمود، ولا رفاقه الذين دأب على تبليغي سلامهم، وهل مازال في عيونهم نظر يقوى على القراءة• لا أستطيع من أجلهم شيئاً عدا إحساسي بالذنب، وهذا أضعف الإيمان• ويشهد اللّه أنني ما جلست إلى طاولة الأكل إلاّ ووقفت عيونهم بيني وبين فمي، وما اشتهيت شيئاً طيِّباً في هذا الصيف، إلاّ واستحيت من اشتهائي له•
    لــذا، كانت فرحتي كبيرة عندما هاتفتني، وأنا في جنوب فرنسا، صديقتي الغالية لطيفة، لتعرض عليَّ الانضمام إلى مبادرتها الشخصية إلى إعلان الفنانين والْمُبدعين العرب الصيام يوماً، ولو واحداً، تضامناً مع الأَسرى الفلسطينيين•
    شكراً لطيفة، أهديتِني ذريعة جميلة لحُـبّ أُمَّــة، أسراهــا أحــرار•• ونساؤها رجـــال•
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    فإذا أنكر خلٌّ خلَّه..


    ضحكــــت لقول المسؤولة السابقة عن العلاقات العامة في حزب المحافظين في بريطانيا، في إحدى المقابلات، "عندما يُمطرك رجل برسائله المكتوبة على الجوَّال، فاعلمي أنّه يرسل رسائله من المرحاض في بيته، حيث لا تسمع زوجته ما هو فاعل.. رسائل الجوَّال هي القلعة الحصينة للخيانات الزوجية!".

    أسعدنـي أن أعرف أن جميع النساء، على اختلاف جنسياتهن، سواءٌ أكـنَّ الزوجات المخدوعات، أم العاشقات الخادعات، يَعيـنَ مدى جُبن الرجال، واستعدادهم للغش العاطفي، واثقين لفرط تذاكِيهم بسذاجتنا نحنُ النساء، جاهلين أنّه لا أكثر ازدراءً في عين امرأة عاشقة، من حبيب جبان يخــاف زوجته، ولا يمكن أن يُعوَل عليه ساعة المواجهة، في حالة ما تحوَّلت الزوجة المخدوعة إلى رجل تحرٍّ، وأفحمته على طريقة "كولمبــو"، بدلائل الجريمة، واسم المرأة التي يرسل إليها من المرحاض.. رسائله الملتهبة!

    في إمكاني في هذا السياق، أن أقلب تلك الْمَقولة التي تقــــول: "بعد أن اخترعنا الزواج، أصبح هنالك نوعان من الناس: تُعســـاء، وتُعســاء جـــداً", ففي الواقع، أنتجت المؤسسة الزوجية نوعين من الناس: الْجُبناء، والجبناء جــداً والعجيب حقّــاً هذه الأيام، وجود هذا النوع الأخيــر من الجبناء وسط الرجال تحديداً، بينما تزداد النساء شجاعة وجرأة، وأحياناً وقاحــــة فهـنَّ جاهزات غالباً لو اقتضى الأمر للدفاع عن حبِّهن، وأحياناً عن "صيدهنَّ"، والدخول في حرب لإنقاذ مكاسبهن العاطفية، مــذ شـرع "الحاج متولِّـي" للفتيات حـقّ اختطاف الأزواج من أُمهات أولادهم وقد روت لي صديقة جزائرية منذ سنة، كيف أنها حاولت إنقاذ زوجها، بمواجهة الفتاة التي كان على علاقة بها، لكن الفتاة ردّت عليها بوقاحة "كلي ودعي الأُخريات يأكلن أيضاً!"، مُستكثرة عليها الانفراد بـ"وليمة" رجـل ثري وشهواني، في بلاد تعاني فيها ثلاثة ملايين فتاة من العنوسة!

    في المقابــل، يُفضّل الرجل دائماً التوفيق بين حياته الزوجية العلنية، وحياته السرية الأُخرى، لأنه يحتاج إليهما معاً للشعور بتفوّقه، والاطمئنان على فحُولته، فيُبدع في أداء دور الزوج الصالح، تستُّراً على تماديه خارج بيت الزوجية، في تمثيل أدوار العاشق الْمُلتـــاع غير أنه كثيراً ما يجبُن ويتحوّل إلى فـــــأر مذعـــور، ساعة المواجهة مع زوجته، فيتنكّر للمرأة التي أحبَّها، ويتخلَّى عنها حفاظاً على مكاسبه الاجتماعية ونحنُ لا نلومه على انحيازه للأُسـرة بــدل الحـبّ، بـــل نلومه على نِفاقه وكذبه وتغريره بعشيقته، ومطاردتها هاتفياً، ليل نهار، ثم التخلِّي عنها عند أول امتحان.

    صديقـة هاتفتني في الصيف من مطار "نيس" صارخـــة: "رأيتها.. رأيتها"، على طريقة أرخميدس، يوم عثر على اكتشافه الشهير، وهو في مغطس حمامه، فراح يصرخ "وجدتها.. وجدتها" وكانت قد أخبرتني قبل ذلك، أنها، بعد أربع سنوات قضتها، بفضول نسائي، في مطالبة الرجل الذي تحبه بإطلاعها على صورة زوجته، التي كان يدَّعي أنه سيتخلَّى عنها ليتزوجها هي، برغم مفاخرته أحياناً بها لإغاظتها، قرّرت بعد أن علمت بسفره إلى الجزائر مع عائلته لقضاء العطلة، أن تحجز لها مكاناً في الرحلة نفسها على الدرجة الأُولى، التي يسافر دائماً عليها، وأخفت عليه الأمر مدَّعية بقاءها في فرنسا وكاد يُغمى على الرجل، وهو يراها تمر أمامه في هيئة جذّابة، وأناقة اختارتها بمكر نسائي، وراحــت دون أن تسعى إلى فضحه، تتأمَّـل من بعيد خلف نظارتها، ارتباكه، وهو يقوم بإجراءات السفر بجــوار زوجة مُتسلّطة تكبره سناً، وترتدي ثياباً أصغر من عمرها ولكي تنتقم لكرامتها، وهي تراه يتمادى برعــب في تجاهلها، جلست في الطائرة خلفه بمقعدين، وراحت تتجاذب أطراف الحديث مع رجـل وسيم كان يجلس بجوارها، ما جعله من غيرتـه يتردّد على الحمّام، كي يتلصَّص على هذا الغريم، الذي يغازل في حضرته حبيبته، وهو عاجز عن الدفاع عن حبّها أمام زوجته وأولاده.
    ربما كان لسان حال صديقتي آنذاك قول الشاعر:
    تمرّ بي كأنني لم أكن
    ثغرك أو صدرك أو معصمك
    لو مترَّ سيف بيننا لم نكن
    نعلم هل أجرى دمي أم دمك
    ولأنه كان لا يُتقن العربية، لكونه بربرياً، ولا يفهم شيئاً في أغاني أُم كلثــوم، ما كان في إمكانه أن يُدافــع عن نفسه بذلك المقطع الجميل:
    فإذا أنكر خلٌّ خلَّهُ
    وتلاقينا لقاء الغُرباء
    ومضى كلٌّ إلى غايته
    لا تقلْ شئنا.. فإنّ الحظّ شاء
    قد يتهجّم بعضكم على تلك المرأة، ويُشفق آخرون على ذلك الرجل.. أما أنا، فاسمحوا لي بأن ألعنه.. ليذهب إلى الجحيم!
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    فكِّــر.. واربــح

    تَعثَّــر نظــري منذ شهور بخبر ورد في الصفحات الاقتصادية، وآلمنـي إلى حدّ احتفاظي بقصاصته لمزيد من جَلْــد النفس بالعودة له لاحقـــاً•
    كـان الخبر يُبشِّــر العراقيين، بأنّ سلطة التحالُــف سمحت لوزارة التجارة العراقية، بإصدار مسوَّدة الدليل المتَّبَع في عملية تصدير الخــردة من الحديد والفولاذ (أي من الأسلحة التي تمَّ تدميرها)، ما يُساعد على خلق فرص عمل للعراقيين، لكون معظم مصانع الحديد والفولاذ والسلاح العراقي، غير صالحة وغير مُهيأة لاستخدام هذه المادة، بسبب عمليات التخريب والسرقة التي طالتها جرّاء الحرب•
    من نَكَــد هذا الزمان على العــرب، أن أصبحت الفواجع تُــزفُّ إليهم كبُشـرى، والخسائر كضرب من المكاسب• تصوّروا هذا الفــرح المركَّــب، الذي ينفرد به المواطن العربي من دون سواه• فهو يفرح يوم يشتري سلاحاً على حساب لقمته، ويفرح يوم يُدمِّــره على حساب كرامته، ويفرح عندما يبيعه بعد ذلك في سوق الخردة، فيؤمِّـن بثمنه رغيفــاً وحليبــاً وخضــاراً لأهـل بيتــه•
    البارحـــة، عثـرتُ على قصاصة ذلك الخبر، وتأمَّلتُ الصورة المرفقة به• كان عليها فتيان بؤساء، لم يعرفوا مَبَاهِج الشباب، نُهِبَــت منهم فرحتهم، وسُــرق مستقبلهم، مقابل زهــو الطاغيّة بامتلاك أكثر ترسانة حربية•
    وها هم، بوجوه لا عمر لها، منهمكون في تكديس رؤوس صواريخ، وأجزائها المدمَّرة، في أكوام من خردة الحديد، في ساحة•• الفلُّوجــــة•
    منذ شهور، عندما قرأتُ هذا الخبـر، كانت الفلُّوجــة مُجـرَّد اسم لمدينة عراقية، قبل أن تُصبح عنوان إقامتنا التلفزيونية، وعنفوان مقاومتنا العربية، وتغدو “الأرض الخَرَاب” الصامــدة، في زمــن ذلّـنــا أمام جيش أكبـر قــوَّة في العالَــم• فإذا بنا نُنسبُ إليها، ونخاف عليها، ونفتح في قلوبنا مقابر فرعيّة لموتى ضاقــت بهم بيوتها•
    في وطــن ليست فيه الأسلحة الأكثر تطوّراً وتكلفة، سـوى مُجــرَّد خــردة، ينفــرد بتقرير مصيرها شخص واحــــد، يلهــو بأمــوال ملايين الناس كما يلهــو بأقدارهم، ولا يتردَّد لحظة الخيارات التدميرية، في تدمير ترسانة حربية لإنقاذ رأســه، كيف لا يصبح الإنسان نفسه، حيّــاً أو ميِّتــاً، خـردة بشريــة، ينتظر أن تنظـر سلطة التحالف في قَــدَرِه، وتُصـدر دليلاً يرشد تجّــار الموت إلى فتح دكاكين لبيــع دمـــه ودمعــه وأشلائــه إلى الفضائيات، عِبــرة لِـمَــن لا يَعتبِـر•• من “معسكــر الشــــرِّ”؟
    مَــنْ صــدَّق منكم النكتــة الأميركية، التي تُقدِّم لنا الحرب على العراق، كضرورة أخلاقيــة، لا اقتصادية، ليُحضر علبة مناديل للبكـــاء، وليتأمَّــل مليّــاً أيــن ذهبت أموالنا، وليسأل: كيف دُمِّــرت بأيدينا “صواريــخ الصمــود” في “مصانــع الكرامـــة” (وهذه التسمية العنترية مع الأسف حقيقية)، لتُباع بعد ذلك عزَّتنا بالطنّ المتريّ في سوق الخــــردة؟
    أسألكــم: بربِّكـــم، لـمـــاذا يتدافَــع العــرب ويتسابقـون لشراء أسلحة، وهم يدرون مُسبقاً أنَّهم لن يستعملوها؟
    أظننا جميعــاً نعـرف الجــواب، وسنربـح في أيِّ مسابقة تلفزيونية، يُطــرح فيها سؤال مـن نـــوع: “لـمـــاذا يشتــري العــرب السِّــلاح؟”• وإذا أضفنــا إلى السبب المعروف، سبب إخافــة الشعـوب بالاستعراضات العسكرية، يصبح السؤال: كم تُكلِّفنا هذه السيوف التي لا تُغادر أغمادهــا، وهذه الأسلحة التي لا تُفارق مستودعاتها، من مصاريـف صيانــة، وتكاليف “إقامــــة” لخبرائها؟
    سؤال واحــد سنفشل جميعنا في الجواب عنه:
    “مـــاذا فعَلَــت الدول العربية بالأسلحة، التي اشترتها على مدى خمسين عـامــــاً؟
    حظــاً سعيــداً للباحثيـن عــن الجــــواب•
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    في بلاد البدانة


    في مساء الفضول الأوّل تقع في كمين المقارنة. للشوق رائحة، وعليك أن تكفَّ عن شمِّ المدن. أميركا لا تشبهك ولا تشبه بلاداً أحببتها. إنها بلاد شاسعة، لا رائحة لها ولا عَبَق. وفي ما بعد ستكتشف وأنت تتذوّق فاكهتها، أنّ لا طعم لها أيضاً، وأنّ فاكهة واحدة على طاولتك في إمكانها أن تُغنيك عن كل الفواكه.. لأنّها جميعها متشابهة الْمَذاق، وكأنه تمّ سلقها. في الواقع، مازلتُ أرصد حالة عشقيّة لبلاد اختلف الناس في حبّها وكراهيتها، وما زارها أحد إلا وعاد عاشقاً أو كارهاً لها، بالتطرّف نفسه. العجيب أن أميركا لم تُثر فضولي يوماً. فطالما اعتقدتُ أنني أعرف عن أفلامها ومسلسلاتها ما يكفي. وما شاهدته لم يكن يغريني بزيارتها. فقد كان لي في باريس وجنوب فرنسا من الحياة الحضارية الجميلة الهادئة، ما يُغنيني عن حضارة عنفها. أميركا تخيفني. وما يخيفني أكثر، احتمال أن تسرق منّي يوماً أحد أولادي المولعين بها، لاقتناعهم بروعتها، قناعتهم بروعة بضاعتها ومأكولاتها وأغانيها وبناتها، الجميلات حتماً، كما في مسلسل (Bay Watch)، الخارجات من البحر كالحوريات بكلِّ أُنوثتهن الصارخة. يا للحماقــة.. هم لا يدرون أن في أميركا أعلى نسبة بدينين في العالم، وأكبر عدد من أصحاب الوزن الخرافي الثقيل، الذين لا يسعهم ثوب ولا يُجلسهم مقعد ولا يُدخِلهم باب. فأميركا التي تستهلك بمفردها ثلث ما يستهلكه العالم من المواد الغذائية، تستهلك أيضاً صحّة أبنائها وأعمارهم، بالسرعة التي يستهلكون بها وجباتهم السريعة، ذات الأحجام الخرافية أيضاً. فأنا لم أسمع قبل زيارتي إلى أميركا بالـ(Very Big Hamburgers)، وهو "همبرغر بطوابق عدّة"، كأنهم يريدون به مُضاهاة ناطحات السحاب. ولا أدري أيّ فم هذا الذي في إمكانه أن يقضم هذا الكمّ من طبقات العجين، وما بينها من عجائب الأكل الذي يُشرشر من كلِّ جانب. وقد شاهدتُ هذا "الهمبرغر" لأوّل مرّة في إعلان ضخم لـ"ماكدونالد"، يُغطِّي شاحنة من الحجم الخرافي، الذي لا أتوقّع أن تكونوا قد شاهدتم مثله في حياتكم. وكانت الشاحنة "الديناصور"، التي يتجاوز طولها طول مبنى ويفوق علوُّها علوَّ طابق أو اثنين، متوقفة في شارع في نيويورك لجمع القمامة، التي تُحطِّم في أميركا أرقاماً قياسية أيضاً. بعد ذلك، علمت من الأستاذ فواز الطربلسي، المحاضر في "جامعة كولمبيا"، محنة نيويورك والحروب التي خسرتها أكثر من مرّة في معركتها مع الجرذان.
    في الطائرة التي كانت تقلّني من باريس إلى نيويورك، شعرت بأنني وصلت، مــذ جلست على مقعد اختاره لي القدر إلى جوار أستاذ إسرائيلي، في كلِّ زيّـه الدينيّ الواضح من ضفائره وقبّعته السوداء. ظننته زوجاً للمرأة الجالسة بجواره، وإذا بها تتبرأ منه حال اكتشافها عروبتي، ولتتمتم لي بأنها أستاذة فلسطينية مقيمة في أميركا. أخرَج كلٌّ منّا أوراقه وباشرنا الكتابة. أنا بالعربيّة.. هو بالعبريّة.. وهي بالإنجليزيّة. وعندما شعرت بأن جاري سدَّ علينا خريطة الطريق، وأقام حال جلوسه جداراً عازلاً يمنعنا من العبور والتحرُّك في الطائرة، طالبت المضيفة باللجوء السياسيّ والأدبيّ إلى أي مقعد آخر. ما ظننتني على طريقة "كولوش" في فيلمه الكوميدي عن نيويورك، سأدخل من دون علمي، حيّ "برانغس" ومنطقة الرعب الأسود. فقد كان عليّ قضاء الساعات الست الباقية من الرحلة، في مسايرة جارتي السوداء الأميركية، ذات الملامح الْمُخيفة حقّاً، التي فاضت على المقعد، حتى تدفّقت عليَّ هي وأُمّها وصغيرها، الذي كان ينام ويأكل ويقفز على صدرها.. ولا مقعد له، فيأخذ ما في طبقي من أكل.. ويَعبَث بأوراقي، فأُلاطفه من فرط ذُعري على طريقة "مستر بين" بالابتسامات والإشارات، معتذرة لأُمّه على جهلي الإنجليزية، وعدم قدرتي على التواصُل مع هذا الطفل "الفلتة".لم أستطع الكتابة ولا النوم طوال تلك الرحلة عابرة المحيطات. فلوجود ذلك العدد الهائل من البدينين على متن الطائرة، خفتُ على الطائرة من وزنهم، أكثر من خوفي من المطبّات الهوائيّة، وممّا علق في ذهني من ذاكرة الكوارث الجويّة، التي اشتهرت بها الرحلات نحو أميركا. حتى إنني فكّرت في تقديم اقتراح مُربح لشركات الطيران الأميركية، بوزن الركّاب بدل وزن أمتعتهم وحقائبهم. في تلك الرحلة التي لم أشغَل فيها سوى نصف مقعدي، ولم آكل سوى نصف وجبتي، كان عزائي تلك النصيحة: "خُــذ من كل شيء نصفه، حتى إذا ما فَقَدْتَه فإنك لن تحزن حزناً كاملاً".
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


 

 
الصفحة 4 من 9 الأولىالأولى ... 23456 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •